قصيدة النثر وشعرية الانفتاح على العالم

الثلاثاء 2013/08/20
أدونيس وجبرا إبراهيم جبرا بحثا في قصيدة النثر كنتاج لتطور حضارة المركز

إنّ قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية هي كتابة أضحت اليوم حقيقة لا يمكن أن ينكرها النقاد بحكم أنها أضحت ضمن فضائنا الإبداعي العربي كتابة مسيطرة على الساحة الشعرية أو الإبداعية وإن هذا الحضور لهذه التجربة الجديدة في الكتابة افترض عقلية نقدية وجب أن تعيد وعيها بهذا التعامل مع مبدعي هذه الكتابات لأمرين أساسيين، أولهما: أن قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية – كما أسمّيها – تفترض أن تفهم ضمن فضاء ثقافي إنساني وجب الانتباه إليه بل نقول وجب أن نفهمه اليوم أكثر من ذي قبل بحكم تنامي فكرة المركز في سعيها لإذابة الأطراف. وثاني الأمرين أنّ قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية، هي كتابة تنخرط في انفتاح أساسي على أجناس الكتابة.

قصيدة النثر أو قصيدة التجريب أو قصيدة الأسئلة أو الكتابة الشعرية نثرا كما يسميها أدونيس هي كتابة إبداعية وكفى. إنّ إبداعية هذه الكتابة تلتمسها من سعيها المتواصل لتطوير شكل كتابتها و تنويع إيقاعها الداخلي فإذا هي تختلف في مستوى إيقاعيتها الداخليّة من شاعر إلى آخر ومن لغة إلى أخرى، وإنّ هذا التعريف يفترض مبدئيا أن نحدد هويّة هذه الكتابة و مرجعيّتها الأساسية زمانيا و مكانيا.


قصيدة الواقع


إننا نعني بهذه الكتابة الإبداعية – قصيدة النثر – ككتابة ظهرت في الذائقة العربيّة مع جملة من الكتاب والأكاديميين كأدونيس وجبرا ابراهيم جبرا وأنسي الحاج وغيرهم… وإنّ هذه الكتابة التي ظهرت في المشرق العربي في المنتصف الأخير من القرن المنصرم وتأجّج حضورها في العشريّتين الأخيرتين حتى أصبحت لغة الشعر المعاصر هي نتاج لحركة نشيطة للترجمة عن اللغات الأجنبية الفرنسية و الأنكليزية واليابانية.

وهو ما يطرح السؤال التالي: هل قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية التي نجدها اليوم و ينخرط فيها شعراء الأمة العربية، شرقا وغربا، هي كتابة نجد لها أصولا داخل نثرنا العربي وتاريخنا الأدبي عامة؟ أم أنّ هذه الكتابة الإبداعية هي نتاج ضروري لتطور "حضارة المركز"و قدرتها على ابتلاع الآخر لعجزه عن تطوير ثقافته و وقائعه؟

لقد جاءت الكتابة الإبداعية – قصيدة النثر – كنتاج مباشر لذلك الانفتاح على الآخر فتأثرت الذائقة العربية الإبداعية بكتابات ازرا باوند و قصائد الهايكو اليابانية أساسا. وهذا الإعجاب تأتّى من قدرة هذه القصائد على التجذّر في المعيش و مواكبة إيقاعيتها الداخلية و جماليتها ورموزها لنسقية الحياة التي بدأت ترتفع ضمن ثقافة ووقائع تلك المجتمعات تصاعديا.

يمكن أن نفهم هذا الميل لمغادرة السائد في الذهنية العربية من خلال انفتاح الكتاب و الأكاديميين والمثقفين العرب على الأطروحات الجديدة لفهم نسقية واقع جديد ولذلك فإنّ قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية لا يمكن أن تفهم إلا ضمن هذا الفضاء الثقافي العالمي الجديد الذي بدأ يبشر بالعالم القرية. فلماذا نبحث – عندئذ – عن علاقة بين هذه الكتابة الجديدة والموروث الثقافي ضمن حضارتنا العربية ؟ ولماذا هذا الإلحاح من قبل العديد من الشعراء والنقاد والمثقفين على استثناء قصيدة النثر أوالكتابة الإبداعية من دائرة الشعر العربي؟ إنّ هذا الأمر يخفي جملة من الأسباب التي عبثت بالثقافة وبالمثقفين العرب ومن بينها عقلية ردّ كل الإجابات الثقافية إلى مشكلة التراث والحداثة أي محاولة البحث عن إجابة الثقافة العربية ضمن هذين الحدين، ويمكن أن نستشهد بالسؤال التالي: ما علاقة قصيدة النثر بـ "الموروث الأدبيّ العربيّ "؟

لعلّ الإجابة تكمن في أنّ هذه الكتابة تطوير للقصيدة العربية. أو هي تطوير لنصوص نثرية داخل تراثنا كتجارب – النّفري – أو – محيي الدين بن عربي – وغيرهما من الإجابات التي تبحث عن تأصيل نظري لهذا الجنس من الكتابة ضمن ثنائية كانت ولا زالت تحت ثقافتنا العربية ككلّ. وأنّ هذه الثنائية هي التي أصبحت اليوم تسمى ب الهوية والعولمة وهو ما يخفي أساسا عدم فهم الواقع العالمي الجديد الذي يرفض كلّ خصوصية و يبحث أبدا عن تجاوز المركز و تحطيم التاريخ و تأسيس الجغرافيا كبديل.


شعرية السؤال


الإصرار الواضح من قبل العديد من الشعراء والمثقفين والنقاد العرب على إخراج قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية من دائرة الشعر يخفي أمرا أساسيا وهو تأكيدهم الواعي واللاواعي على فصل الشعر عن باقي أجناس الكتابة والحال أنّ جميع الأجناس الأدبية أصبحت اليوم أكثر من ذي قبل منفتحة على بعضها بعضا ويمكن أن نفهم هذا الأمر انطلاقا من واقع ثقافي عربي و عالمي جرّ الشعراء والقرّاء للشعر إلى حضيرة الرواية ولذلك فإنّ قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية هي كتابة تنخرط في فضاء إبداعي جديد يرفض كل تصنيف للأجناس الأدبية بغيته تحنيط هذه الأجناس وسدّ منافذ انفتاحها على بعضها البعض.

ثم إنّ الشاعرية ليست في إيقاعات القصيدة العمودية ولا في إيقاعات قصيدة التفعيلة ولا في الإيقاع الداخلي لقصيدة النثر بل الشاعرية تكمن في قدرة هذه الكتابة أو تلك على انخراطها في المعيش و في الحياة.

ولعلّ قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية قد استطاعت أن تعبّر عن هذه الحياة ومعيشها وحريتها لما تحمله داخل مشروعها من استفادة واضحة من العالمية وانفتاحها على التجارب الإنسانية في عمق ما يحملها إنسانها الجديد كإنسان يرفض المركز ويرفض الانغلاق وتحنيط تجربته ضمن ثنائيات لا تخدم شاعريته الباطنية في تفاعلها مع نسقيّة جديدة تجعل منه كائن الأسئلة الدائمة يطرحها على ذات تقاوم ثقافة العولمة لا في تقوقعه ضمن الهوية في معناها العرقي أو الديني أو الثقافي بل في معناها الإنساني. إنّها هوية الدفاع عن الإنسان ضد استنزاف قيمه الإنسانية في معناها الشمولي.

وبهذا المعنى تكون قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية محاولة للانخراط في النص الإبداعي خارج كل وهم كل تحنيط إنها كتابة تؤسس الإنسان و تعانق الإنسان خارج كل انتماء إذ هي الشاعرية الحقيقية شاعرية الحياة في مقاومتها لأعداء الحياة.

14