قضايا إنكار النسب حكم إعدام على براءة الأطفال

الأبناء يدفعون ثمن خطايا الكبار تنمرا في مُجتمعات تميل إلى القسوة.
الأربعاء 2020/10/28
قضايا إثبات النسب تقوض بنيان الأسرة

يؤكد علماء النفس أن إثارة قضايا النسب تتسبب في هزات نفسية للأطفال وتمس من حقهم في الحفاظ على هوياتهم وأسمائهم وصلاتهم العائلية بشكل يهدد استقرارهم الاجتماعي. كما يؤكد علماء الاجتماع أن السنوات الأخيرة شهدت نموا واضحا لقضايا النسب، من خلال إقامة أزواج لدعاوى إنكار نسب ضد زوجاتهم، بسبب التشكيك في سلوكهن.

تُثير قضايا النسب أزمات اجتماعية عميقة في بعض الدول العربية، وتتجاوز الزوج والزوجة، لتمتد إلى الأطفال أنفسهم، ما يُمثل حكما بالإعدام على براءتهم، وتهديدا مباشرا لاستقرارهم النفسي والاجتماعي.

وإذا كان من المعتاد في ظل انتشار ظاهرة الزواج العرفي في بعض المجتمعات قيام سيدات يتعرضن للخداع من أزواجهن بإقامة دعاوى إثبات نسب لأبنائهن مع ضياع المستندات الدالة على الزواج، فإن السنوات الأخيرة شهدت نموا واضحا للجانب العكسي من قضايا النسب، من خلال قيام أزواج بإقامة دعاوي إنكار نسب ضد زوجاتهم، بسبب التشكيك في سلوكهن.

وشهدت الظاهرة نموا واضحا للدعاوي القضائية الخاصة بإنكار النسب، ففي مصر وطبقا للإحصائيات الرسمية في عام 2019، فإن عدد قضايا النسب تجاوز 15 ألف قضية، ثلثها تقريبا مقامة من الأزواج لإنكار نسب الأبناء.

وفي المغرب تشير أرقام وزارة العدل إلى ارتفاع حالات الطلاق إلى أكثر من مئة ألف حالة سنويا، وطبقا لمصادر قانونية، فإن 10 في المئة من تلك الحالات تشهد دعوات إنكار نسب بعد الطلاق.

وفي الأردن أدى تعديل قانون الأحوال الشخصية مؤخرا واعتماد نتائح فحص الحمض النووي (DNA) إلى إثبات نسب 99 طفلا خلال الفترة من 2016 إلى 2019، غير أنه لا توجد مؤشرات تخص استخدام الفحص نفسه في إنكار نسب أبناء إلى أبيهم.

أما في الجزائر فقد رصدت مواقع حقوقية اتساع قضايا إنكار النسب والملاعنة خلال السنوات الأخيرة، ما يمثل مشكلة مؤرقة للمجتمع ومثيرة للجدل بين الحقوقيين والباحثين الاجتماعيين.

وتضمن اتفاقية حقوق الطفل التي أقرتها الأمم المتحدة في عام 1989 حصول الطفل على اسم وجنسية فور ولادته، وتنص المادة الثامنة من الاتفاقية على احترام حق الطفل في الحفاظ على هويته واسمه وصلاته العائلية، وفي حال حرمانه من تلك الحقوق فإن واجب الدولة مساندته ودعمه.

وتتباين قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي للتعامل مع دعاوى النسب من خلال الحمض النووي، إذ ترفض معظم الدول الأخذ بنتائج التحليل في الدعاوى الخاصة بإنكار النسب.

ويرجع السبب في ذلك إلى وجود قناعة لدى المشرّع بأن نتائج فحوصات الحمض النووي، مع ارتفاع نسب دقتها، غير يقينية، وهناك احتمالات ضئيلة جدا لوجود الخطأ، لكن تلك الأخطاء تتسبب في كوارث اجتماعية.

الطفل للفراش

حكى شاب مصري في الثلاثينات من عمره، يقيم في محافظة الجيزة، بجنوب القاهرة، لـ”العرب، أنه تزوج قبل سنوات من فتاة تعرف عليها عن طريق أحد الأقارب، وعاشا معا لمدة ثلاث سنوات أنجب خلالها طفلة وحيدة، ثُم نشب خلاف بينهما نتيجة عمله في قرية سياحية نائية مطلة على البحر الأحمر، ووصل الأمر بينهما إلى الطلاق.

وأضاف، أنه تزوج مرة ثانية، لكنه لم يُنجب لثلاث سنوات، ما دفعه إلى إجراء فحوصات طبية شاملة، انتهت إلى إثبات إصابته بعقم ثانوي منذ صغره، ما أكد أنه غير قادر على الإنجاب.

وأضاف أنه لجأ إلى القضاء وأقام دعوى إنكار نسب الطفلة التي تحمل اسمه، لكن لم يتم الفصل فيها حتى الآن، ولا يزال يبحث عن الحقيقة.

وتمتد دعوات إنكار النسب في المحاكم المصرية وفقا لحقوقيين إلى ثلاث وأربع سنوات، ويُحكم في غالبية القضايا برفض إنكار النسب، مادام الزواج قائما على عقد رسمي صحيح.

وعرفت مواقع التواصل الاجتماعي بعض القضايا التي مثلت في الآونة الأخيرة قضايا رأي عام نظرا لغرابتها وعدم اعتيادها، كان من بينها قضية محمد هادي، الذي امتد زواجه لـ11 عاما، وكان يعمل في دولة خليجية ويعود لمدة شهر كل عام، وأنجب ثلاثة أطفال.

ضرورة تقييد دعاوى إنكار النسب للمتزوجين رسميا وإحاطتها بنوع من السرية حفاظا على مشاعر الأبناء من التأذي

وقبل شهور أرسل إليه شخص مجهول رسالة تدعي خيانة زوجته، ما دفعه للعودة إلى مصر وإجراء فحوصات الحمض النووي له ولأبنائه الثلاثة، ليكتشف بأنه ليس الوالد الحقيقي لأي منهم.

وأقام الزوج المصدوم دعوى زنى على زوجته، وحصل بالفعل على حكم بسجنها لثلاث سنوات، إلا أن محكمة الأسرة رفضت دعواه الأخرى بإلغاء نسب الأبناء الثلاثة له، استنادا لقاعدة فقهية تُسمى “الولد للفراش”.

ولا توجد شروط محددة واضحة لإقامة دعاوى إنكار النسب، فهناك بعض الأزواج الذين يلجأون إلى إقامة مثل هذه الدعاوى كنوع من التجريح المتعمد والضغط على مطلقاتهم للتنازل عن حقوقهن القانونية.

وحفلت المحاكم المصرية بقضايا نسب لفنانين وفنانات، أبرزهم أحمد الفيشاوي وطليقته هند الهناوي التي أنجبت طفلة من زواج عرفي تم بينهما، وأثبتت نسبها إليه بعد رحلة طويلة من المماطلة والمعاناة، كذلك تخوض الفنانة زينة صراعا مع الفنان أحمد عز بسبب إثبات نسب طفلين له.

الأبناء يدفعون الثمن

يرى حقوقيون وخبراء تنشئة أن الأطفال هم الأكثر تضررا من قضايا إنكار النسب، لأنهم يواجهون نظرات تنمر مجتمعية قاسية.

يقول أحمد عفت المحامي المتخصص في قضايا الأسرة بالقاهرة، لـ”العرب”، إن مجرد إقامة دعوى إنكار النسب يمثل جرحا لمشاعر الصغار، ما يُلزم إحاطته بسياج من السرية والخصوصية.

ويظل الأبناء المختلف على نسبهم قضائيا محل تهكم وسخرية من فئات في المجتمع المحيط بهم ليشبوا غير أسوياء، ويتملكهم الحقد تجاه الآخرين.

وفي بعض الحالات فإنهم يعانون من عزلة مجتمعية بسبب توجيه الأسر لأبنائها بعدم الارتباط بصداقتهم في ظل سيادة تصورات مغلوطة عن الأبناء المشكوك في نسبهم.

وتشير نُهى محمد الخبيرة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، لـ”العرب”، إلى أنها تابعت حالات عديدة لأطفال عانوا من عقد نفسية حادة، نتيجة إقامة آبائهم دعاوى إنكار نسب لم تكن في الغالب صحيحة.

ويرى البعض ضرورة تقييد دعاوى إنكار النسب للمتزوجين رسميا وإحاطتها بنوع من السرية حفاظا على مشاعر الأبناء، خاصة أن هناك محامين كثر يقنعون موكليهم بإقامة تلك القضايا للتهرب من نفقات أبنائهم، أو لإرهاب مطلقاتهم والكيد لهن.

وقالت دار الإفتاء المصرية ردا على سؤال تلقته حول جواز فحص الحمض النووي عند الاشتباه في المواليد بأنه “يجوز إثبات النسب بالبصمة الوراثية إذا كان ذلك في عقدِ زواجٍ صحيحٍ  مراعاةً لحق الطفل، وإحياءً للولد، وحملًا لحال المرأة على الصلاح، كذلك في حالة التنازع على مجهول النسب، والاشتباه في المواليد وأطفال الأنابيب، وفي حالة ضياع الأطفال وحدوث الحوادث أو الكوارث وصعوبة التعرف عليهم، أما في حالة الزنا فلا يثبت نسب الطفل إلى الزاني أصلا، وإنما يُنسب لأمه فقط، لأن ماء الزنا هدر؛ أي لا يُعتد به شرعا”.

ويعني هذا أن الرأي الديني ينتصر لاستخدام العلم الحديث في إثبات النسب، بينما يرفض استخدامه في نفي النسب، وينطلق ذلك من احترام حقوق الطفل والحرص عليها.

21