قضايا الأحوال الشخصية ساحة مبارزة بين الحكومة المصرية والكنيسة

تطلعات لدى المسيحيين للانعتاق من سيطرة القيادات الدينية والمؤسسات الكهنوتية.
السبت 2020/02/29
الكنيسة تحاول احتواء الكثير من المواقف

يشهد المجتمع القبطي المصري سجالات دينية واجتماعية لا تخلو من مرام سياسية، عقب صدور أحكام من القضاء المصري بشأن بعض القضايا التي تدخل عرفيا في صميم اختصاصات الكنيسة. وقد اعترضت الكنيسة الأرثوذكسية على تلك الأحكام واعتبرتها تدخلا في شؤونها، ولوّح كنسيون بأنه لن يتم تنفيذها، ما جعل الكنيسة تظهر كأنها صارت طرفا في نزاع مع الحكومة التي تحاول احتواء المواقف الخلافية العديدة كي لا تستغل في إضفاء معان سياسية كبيرة عليها، بعد أن أثارت بعض الأحكام جدلا وسط الأقباط.

القاهرة - لم تكن إيفيلين ألفونس تتخيل أن يتسبّب حكم قضائي لصالحها في أزمة بين القضاء المصري والكنيسة. إذ حصلت ألفونس على حكم من المحكمة الإدارية العليا يقضي بوقف تنفيذ وإلغاء قرار بطريركية الأقباط الأرثوذكس بحرمانها من “التناول”، وهو أحد طقوس الأسرار السبعة المقدسة (المعمودية، زيت الميرون، الشكر بالتناول من القربان المقدس، مسحة المرضى، التوبة، الزيجة، وسر الكهنوت).

ورفضت المحكمة الطعن المقدم من بابا الأقباط الأرثوذكس تواضروس الثاني بصفته، لأنها رأت أن قرار الكنيسة بحرمان ألفونس يمسّ من الحريات العامة ويقيّد ممارسة الشعائر الدينية، في خطوة تجاوزت الحدود الفاصلة بين سلطة الحكومة والسلطة الكنسية، وأثارت جدلا حول طبيعة العلاقة بينهما.

تاريخيا، تسير هذه العلاقة على خطين متوازيين. أحدهما يؤكد التفاهم والانسجام في كثير من القضايا السياسية المشتركة، والآخر يعكس تباعدا. ولا شكّ في أن الجدل الدائر هذه الأيام حول إصدار مجموعة من الأحكام لا تتوافق مع توجهات القيادة الكنسية، سيرسم ملامح جديدة لهذه العلاقة، على مستوى الكنيسة كما على مستوى المجتمع القبطي الذي يطالب عدد هام من أبنائه بقوانين تساويهم بالمسلمين، كما حدث مؤخرا مع قانون الميراث والجدل التقليدي حول الطلاق والزواج.

تفادي أزمة سياسية

تحديات كثيرة لحكم الكنيسة
تحديات كثيرة لحكم الكنيسة

تخشى الكنيسة أن ينفرط عقد هيمنتها على جموع الأقباط. ويصبح القضاء ملاذا لهم يحتكمون إليه في قضايا الملّة والمواريث والأحوال الشخصية عموما، مما يؤثر في سلطتها. وتعد قضية التناول كاشفة لكثير مما يعتمل داخل الكنيسة وعلاقتها بالحكومة.

لم تناقش المحكمة قواعد سر التناول أو تنظيمه دينيا، بل تعاملت معه كقرار إداري تمّ دون التحقيق أو الاستماع لمن وقعت عليها العقوبة، مع ذلك اعتبرت الكنيسة تلك الخطوة تدخّلا في شأن داخلي يتعلق بأحد أمور العقيدة لطائفة الأقباط الأرثوذكس.

وكشف مصدر قضائي لـ”العرب” أن المحكمة لم تصدر هذا الحكم لأنها غير مقتنعة بعدالة الشريعة المسيحية أو ترغب في تحدّيها، فالقاضي أصلا ليس سلطة تشريعية، ولم يكن أمامه خيار غير تنفيذ القانون، ولو أصدر حكما مختلفا لكان معناه “مجاملة للكنيسة”.

وألمح المصدر نفسه، إلى أن المحكمة لم تتدخل في الشرائع المسيحية، ولم تتطوع بدس أنفها في ما يخص دور الكنيسة، بل كانت مجبرة على نظر الدعوى التي رفعتها مواطنة مصرية كمسيحية مُتضررة مما تراه إجحافا. والكنيسة ليست فوق القانون.

لكن، يقول مسؤولون كنسيون إن القرارات الكنسيّة الخاصة بالعبادة لا تدخل في نطاق أحكام القانون، بل تقع في صميم أحكام المادة الثالثة من الدستور التي تنص على أن “شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية”.

ويرى متابعون للقضية أن الكنيسة تعترض على الحكم القضائي بصور ملتوية وغير مباشرة لتفادي الوقوع في أزمة سياسية، لأن القانون المصري يحظر توجيه النقد لأحكام القضاء.

كما أن فتح ملف الكنيسة أمام الرأي العام يؤدي إلى إحراجها، والابتعاد عن الطابع السري الذي تدير به الكثير من القضايا، حيث تحرص على مناقشتها داخل جدرانها، ومعنى خروجها أنها تصبح معرضة للمزيد من الانتقادات.

تكتّمت الكنيسة على أنها السبب وراء تعطيل إصدار البرلمان المصري لقانون البناء الموحّد لدور العبادة، والذي يربط عددها بعدد السكان. وبعد اكتشاف أن عدد دور العبادة المسيحية يفوق عدد الأقباط، بدأت الكنيسة تناور وتعطل وصول هذا الملف إلى البرلمان. والحكومة لا تزال هي المتهمة أمام الجماعة المسيحية، لأنها امتنعت عن إظهار الحقيقة.

تحاول الكنيسة احتواء الكثير من المواقف وعدم الانسياق وراء الضجة التي أثارتها بعض الأحكام القضائية. وبدا ذلك جليا في تصريح القس بولس حليم، المتحدث الرسمي للكنيسة، الذي قال إنها لن تتخذ إجراءات حيال أحكام المحكمة، لكنها ملتزمة بما يكفله لها الدستور، أي الاحتكام إلى الشرائع المسيحية، ومن بين ما تدرسه الكنيسة اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا للطعن على الحكم، ما يعني ضمنيا رفض تنفيذ الحكم.

انتقل السجال إلى الرأي العام وتباينت ردود الأفعال على رد فعل الكنيسة، بين المؤيدين والمعارضين، ليس لأهمية القضية فهي واحدة من الآلاف من القضايا المنظورة بالمحاكم، لكن لأن الكنيسة تريد أن تصبح فوق القانون أو دولة داخل الدولة، لا تجب محاسبتها أو مراجعتها.

أبعد من التناول

المحكمة رفضت الطعن المقدم من بابا الأقباط تواضروس الثاني لأنها رأت أن قرار الكنيسة يمس من الحريات العامة
المحكمة رفضت الطعن المقدم من بابا الأقباط تواضروس الثاني لأنها رأت أن قرار الكنيسة يمس من الحريات العامة

أثارت قضية التناول تساؤلات بدت منطقية عن كيف تقدم الكنيسة لرعاياها المسجونين، حتى في قضايا القتل، الخدمات الدينية، وتبعث إليهم كهنتها المعتمدين منها لدى وزارة الداخلية، بينما ترفض التراجع عن قرار بحرمان إيفيلين ألفونس من ممارسة طقوس عقيدتها بعدما أثبتت بالقانون براءتها.

ينطوي الحرمان الكنسي في حقيقته على قرار تأديبي، لكن أوراق القضية خلت مما يُفيد قيام الكنيسة بإجراء تحقيق مع ألفونس لمواجهتها بالوقائع المنسوبة إليها لتمكينها من الدفاع عن نفسها قبل إصدار قرار ضدها، وبذلك تكون أهدرت حقا أصيلا من حقوق الإنسان الأساسية.

يبدو للمتابع لقصة ألفونس أنها لا تستحق تلك الضجة التي أثيرت حولها. فالقصة بدأت منذ 12 عاما عندما أصدر الأنبا يؤانس الأسقف العام وسكرتير البابا شنودة آنذاك شهادة بأن الدكتورة إيفيلين ألفونس والمكرسة باسم تاسوني إيريني تمّ حرمانها من ممارسة الأسرار الكنسية، ودار نزاع بينها ومكرّسة أخرى، أي راهبة تعمل بخدمة المجتمع، بسبب اتهامات في الذمة المالية، وحرمت الكنيسة ألفونس من سر التناول لخيانتها الأمانة وارتكابها مخالفات قانونية ومصرفية.

استمر النزاع القانوني في المحاكم حتى صدر حكم نهائي منذ أيام بإلغاء القرار الكنسي، لأن هناك حكما صدر من محكمة الجنح ببراءة ألفونس مما أسند إليها من اتهامات ومن ثم تكون الوقائع التي استند عليها قرار حرمانها مخالفا للقانون.

توقعت السيدة المسيحية أن الكنيسة ستنفّذ الحكم على الفور، لكنها فوجئت برفض المسؤولين بالكنيسة، وهو ما ينذر بتفاقم المشكلة في ظل إصرار القضاء والكنيسة على موقفيهما إزاء الحكم. فمن ناحية يراه القضاء مطابقا للقانون، بينما تعتبره الكنيسة مخالفا للدستور.

تحرص الكنيسة على التصعيد من خلال تصريحات المؤيدين لموقفها، وليس من داخلها، وظهر الأمر وكأنه أزمة دينية، مع أن إيفيلين ألفونس حالة فردية ولم ترتكب في نظر القانون جرما.

تعد تلك القضية سيناريو مكرّرا، وسبق أن رفض البابا شنودة الثالث، تطبيق حكم صادر عن المحكمة الإدارية العليا في الـ29 من مايو 2008 نصّ على وجوب أن تسمح الكنيسة بالزواج مرة ثانية للأقباط الذين حصلوا على حكم بالطلاق من القضاء.

تشابه موقف الكنيسة وقتها مع ما يحدث الآن وأعلنت “أنها تحترم القانون، لكن لا يمكنها أن تقبل الأحكام التي تناقض تعاليم الكتاب المقدس”. ولجأت الكنيسة إلى المحكمة الدستورية العليا التي ألغت الحكم، وهو ما تنوي أن تفعله الكنيسة مع حكم إلغاء قرارها ضد السيدة المسيحية.

مخالفة مسيحية

hgكنيسة مؤسسة لها قواعد منظمة للعلاقات داخلها
الكنيسة مؤسسة لها قواعد منظمة للعلاقات داخلها 

أكد مصدر كنسي لـ”العرب” أن امتناع البابا عن تنفيذ الحكم في تلك القضية لا يوقعه تحت طائلة قانون العقوبات، لأنه في الأساس ليس موظفا عموميا، ولا قيمة للأحكام الصادرة طالما أنها مخالفة للعقيدة المسيحية، وطقس التناول يُعدّ أحد الأسرار الكنسية السبعة، وهو نعمة غير منظورة ينالها المؤمن بشرط أن يسبقه سر التوبة والاعتراف أمام الكاهن.

وحذّر المصدر من يحاولون إثارة الشغب من وقت إلى آخر بتجنب هذه الأمور، لأنها تأتي لصالح جهات تريد زعزعة استقرار الأوضاع داخل الكنيسة، ولديهم العديد من القوانين التي تعاقب من يشكوها إلى السلطات المدنية ولم تستخدمها الكنيسة بعد.

ويرى مراقبون أن الجدل الدائر يتعدى الحكم القضائي وحيثياته. فالكنيسة على مدى عقود هي الممثل الشرعي والوحيد للطائفة الأرثوذكسية التي تشكّل أكبر أقلية دينية في البلاد. لكن بعد ثورة يناير 2011 طال العقلية القبطية تغيّرٌ، وأصبح رعاياها يرفضون سيطرة القيادات الدينية على شؤونهم، واتخذ بعضهم إطاراً جديداً للدفاع عن حقوقه في بوادر فريدة، مثل حالة إيفيلين ألفونس ولجأوا إلى القضاء ليكون حكما بينهما وهو ما أغضب القيادات الكنسية.

ويقول هؤلاء إن هيمنة المؤسسات الكهنوتية وفرضها الطاعة القسرية على أتباعها، من خلال تنميط السلوك والفكر الديني هدفه تكريس الانصياع لرؤيتها ومقولاتها في الجانبين الروحي والدنيوي. فهي تضع شروطاً للإيمان الصحيح وممارساته بحيث لا يمكن الخروج عليها، ومن ثم يتم التصدي لكل محاولات فض نزعة التحرر من أغلالها وقيودها أو الاعتراض على قرارتها والتمرد كما فعلت ألفونس.

وأشاروا إلى أن الكهنة يستخدمون الحرمان الكنسي لمعاقبة من يغرد خارج السرب عقائديا أو دنيويا، وطبقته على الكثير من أتباعها، والرضوخ لتدخل القضاء سوف يعطي الفرصة لهؤلاء لاتخاذ نهج ألفونس والتمرد على سلطة الكنيسة المعنوية والمادية.

وكتب الصحافي كمال سدرة، عبر صفحته فيسبوك، إن المسيحيين يشتكون على مواقع التواصل الاجتماعي ويذهبون إلى المحاكم بسبب عدم وجود من يسمعهم بعدما تحوّل بعض رجال الكنيسة من خدام للشعب إلى آلهة لا تجوز مناقشتها أو الاعتراض على قراراتها.

وقال الباحث القبطي كمال زاخر لـ”العرب” إن الكنيسة مؤسسة مصرية، لها قواعد منظمة للعلاقات داخلها وهي قواعد مستقرة، منها التي تنظم ممارسة العبادات وتعرف بالطقوس وهي حقوق أصيلة للمرء، وعندما يرتكب خطأ ما يوجب عقابا كنسيا يكون حرمانه مبنيا على تحقيق كنسي يتدرّج حسب نوع الخطأ وحجمه. وبالتوازي تتدرج العقوبة من التنبيه إلى الحرمان من ممارسة الطقس مؤقتاً إلى الحرمان من عضوية الكنيسة، لكن يبقى باب العودة مشرعا، فهدف العقوبة “رد الخاطئ عن طريق ضلاله”، بحسب تعبير الإنجيل.

وأضاف زاخر أنه إذا تعسفت الكنيسة في قرارها أو جاءت العقوبة دون محاكمة ودون أسباب موضوعية أو نتيجة أسباب شخصية لدى من أصدرها ترتد على من أقرّها، بحسب ما قالت به قوانين الكنيسة، ولأن الكنيسة مؤسسة مصرية فهي تخضع للنظام العام ويصبح من حق المتضرر من القرار المعيب اللجوء إلى القضاء.

ويعدّ حكم القضاء تحذيرا من استخدام الأسرار الكنسية في غير موضعها كعقوبة وليس لمغفرة الخطايا، وقضية الحرمان الكنسي تحتاج تدخل البابا تواضروس الثانى لتكون وفق معايير معروفة ومعلنة حتى لا تكون عصا غليظة للعقوبات في يد رجال الدين.

ويدرك المتابعون للشأن الكنسي في مصر، أن هناك تحديات كثيرة تجعل فكرة تنفيذ الكنيسة للحكم أو تراجعها عن قرارها أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا، فالبابا سيضع نفسه في موقف حرج ويفتح نيران صقور الكنيسة عليه، لأن تلك العقوبة وقّعها أحد الموالين للبابا شنودة وقتذاك، ما يضعه تحت مساءلة شعبية يقودها التيار المتشدد.

تطلعات بين المسيحيين للانعتاق من سيطرة القيادات الدينية والمؤسسات الكهنوتية
الجدل الدائر يتعدى الحكم القضائي وحيثياته

 

20