قضايا النساء في الإعلام: تبني قصة ونسيان القضية

صحف العالم تقتصر على إنتاج مضامين فقيرة جوفاء تركز على الوقائع المتاحة ومجردة من بعدها الإنساني.
الثلاثاء 2019/10/29
شبكات اجتماعية سيطرت على الإعلام الكلاسيكي

قبل سبعة أعوام، في التاسع من أكتوبر 2012، في وادي سوات في مُقاطعة “خيبر بختونخوا” شمال غرب باكستان، أوقف مسلح الحافلة، صعد ونادى “ملالا”! التفتت البنية، عمرها خمسة عشر عاما، فأطلق النار على رأسها عقابا لها على نقدها، في منشور على صفحة ‘بي.بي.سي’، لمحاولات طالبان غلق المدرسة هناك والتعرض لتعلّم البنات.

نجت ملالا يوسفزاي من الموت بعد علاج طويل في بريطانيا ثم فازت بجائزة نوبل للسلام عام 2014 باقتراح من رفيق مانديلا في الكفاح، القس ديسموند توتو…حتى أصبحت صورها تغزو اليوم الكثير من الصفحات والشاشات في العالم.

ملالا مع أوباما، ملالا مع غوتيريس، ملالا مع ماكرون، مع جيم يونغكيم وزارداري وكاغامي…ملالا في دافوس مع أصحاب المال والجاه فأصبحت نجما أبعد ما يكون عن مصائب رفيقاتها في وادي سوات وفي غيره.

تلك هي المفارقة الكبرى التي تحدثها وسائل الإعلام في معالجة قضايا النساء في العالم، كما في البلدان العربية، إذ ترفع قليلات حتى يصبحن من عناصر ديكور المشهد وتغمر كثيرات في فقرهن وجهلهن وجوعهن وعطشهن وأمراضهن نتيجة المعالجة الإعلامية التي تضمن المبيعات.

أثناء معركة ستالينغراد عام 1942 جمع جوزيف ستالين أعضاء فريقه الإعلامي ليقرّعهم على ما تنشره الصحف السوفيتية آنذاك عن مئات الآلاف من القتلى قائلا “موت إنسان مأساة، أما موت الآلاف فهو إحصاءات”. أصبحت تلك القولة منوالا في الكتابة الصحافية لإبراز الجانب الإنساني في القصة الخبرية، وهو ما يُعبر عنه بالقصص الناجحة في إنتاج المضامين عن قضايا النساء، غير أن سوء استخدامه قاد إلى نتائج مختلفة عما كان يُراد بلوغه.

فعندما تُخصص الآلاف من المضامين لملالا تنسى وسائل الإعلام مثلا المليون طفل سوري، إناثا وذكورا، المشردين في مخيمات اللاجئين، المحرومين من “القلم والكراس والكتاب” التي قالت عنها إنها أمضى الأسلحة. يمكن للمرء أن يتصفح عددا من المقالات عن النابغة الباكستانية دون أن يعثر على مقال واحد ينطلق من قصتها العظيمة للوصول إلى مآسي أطفال العالم ونسائه.

سوء تقدير سبق أزمة الإعلام المالية حتى في أوج ازدهار الصحافة تمثل في تقسيم المضامين الإعلامية إلى مضامين خاصة بالمرأة وأخرى لا تخصها

تناسى الإعلام ما قصده ستالين وما أخذته عنه صحف كثيرة في الولايات المتحدة منذ الأربعينات، على رأسها وول ستريت جورنال في أن التركيز على فرد بأفراحه أو أتراحه هو مدخل يشد المتلقي لمتابعة قراءة القصة الأصلية. لم تعمل وسائل الإعلام بقصة ملالا مدخلا إلى قصص رفاقها اليوم في وادي سوات أو أترابها في مخيم الزعتري أو كويلان أو عرسال…فما الذي سيفهمه من هم في سنها من تجربتها التي قلبها الإعلام ملحمة مشهدية؟

لم يدرك الإعلام إلاّ قليلا أن المطلوب هو أن يصنع في كل مضمون عن تعليم البنات ملالا أخرى، عربية أو أفريقية أو آسيوية…يطّلع على قصتها حتى بضع مئات دون أن تكون ملالا يوسفزي التي أصبحت علما على رأسه نار. وتكون تلك المضامين المتحدثة عن ملالا السورية مثلا، عندما تقترن بملالا الباكستانية، أشد وقعا. عندها تكون شهرتها مفيدة أما الاحتفاء بكل حركة من حركات الشابة يوسفزي ونسيان مئات الملايين من الفتيات الأخريات فيجعلهن أرقاما في سرد لا حديث فيه عن قلم ملالا وكراسها وكتابها.

إن الجشع المالي الذي يجسده دافوس الذي احتضن ملالا تسويقا لنفسه هو الجشع ذاته الذي شرد مئات الآلاف من بنيّات سوريا في المخيمات وهو الجشع ذاته الذي جعل معظم صحف العالم اليوم تقتصر على إنتاج مضامين فقيرة جوفاء تركز على الوقائع المتاحة مجردة من بعدها الإنساني. لقد ضاق المكان بصحافة الجودة واشتد عليها الخناق.

تفقرت مؤسسات إعلامية كثيرة وهجر بعضها الورق إلى الإلكتروني وتخلت أخرى عن عدد من صحافييها بحثا عن التوازن المالي وأصبح الصحافي الواحد مطالبا بما كان ينتجه ثلاثة أو أربعة. وقد أدى ذلك إلى مضامين فقيرة مجردة تعوض الأرقامُ فيها القصصَ الإنسانية المعيشة التي يقتضي إنجازها وقتا أطول بكلفة أرفع.

ومرة أخرى تجد النساء أنفسهن ضحية الفقر حتى عندما يصيب المؤسسات الإعلامية. صحيح أن منها من ينتج مضامين جيدة مبنية على الشهادات الإنسانية تروي قصص أناس تسميهم غير أنها قصص تُجعل لمضامين أخرى غير تلك التي تُعنى بمآسي المهمشات من النساء. ولا ينبغي أبدا تفسير ذلك فقط بالصعوبات المالية التي يعاني منها قطاع الإعلام في كل مكان.

هناك سوء تقدير سبق أزمة الإعلام المالية حتى في أوج ازدهار الصحافة تمثل في تقسيم المضامين الإعلامية إلى مضامين خاصة بالمرأة وأخرى لا تخصها، وفي ذلك دلالة على التمييز بين قضايا تخص المجتمع إلا المرأة التي يفرد لها ركن، وأن المضامين الأهم هي التي تخص الرجال. ولم تسهم البحوث التي ركزت على ما يسمى بصورة المرأة في الإعلام في تطوير أساليب معالجة فعالة.

ويذهب التقسيم ببعض الصحف إلى تخصيص ركن للمرأة تنشر فيه أخبارا ذات قيمة عالية تهم المجتمع كاملا كما فعلت إحدى الصحف التونسية التي نشرت حديثا لبرلمانية عن تقرير الحريات، المثير للجدل في شأن الميراث، أو خبر اغتصاب الأطفال المستخدمين في تجارة التسول في ركن المرأة. ومن الملفت أن ما يتصل بالأطفال يُنشر هناك وكأنه إقرار بأن مآسي الطفولة من مهام المرأة وحدها. أوَ ليس اغتصاب الأطفال شأنا مجتمعيا يقتضي إبرازا صحافيا؟

يواجه الإعلام اليوم تحديا آخر في تعامله مع قضايا النساء بانتشار الشبكات الاجتماعية التي أصبحت تنافس الإعلام التقليدي جديا في نشر الأخبار وتداولها. ويشكل ذلك تهديدا لظهور المرأة في الفضاء العام. ففي الحملة الانتخابية التونسية كان تبادل الهجمات الإلكترونية شديدا بين أنصار المرشحين وكانت أشد على النساء باستهداف أعراضهن والتعليقات على ذلك خير دليل. ويفضي ذلك إلى أمرين؛ إما ألا ترد النساء أو يرفضن التعبير أساسا خشية تلك الهجمات العنيفة والهابطة.

لا مقالات تنطلق من قصة ملالا للوصول لمآسي أطفال العالم
لا مقالات تنطلق من قصة ملالا للوصول لمآسي أطفال العالم

غير أنّ ما يشبه سيطرة الشبكات اليوم على الإعلام الكلاسيكي، في نشر المضامين وتداولها، يمثل فرصة لمساندي تساوي الفرص بين النساء والرجال في النقاش العام. ويعني ذلك عمليا أنه لم يعد مجديا التركيز على الإعلام التقليدي فقط لبلوغ التكافؤ بل لا بد لهم من استخدام الشبكات الاجتماعية في المناصرة.

هناك في المنطقة العربية جمعيات كثيرة ومنظمات ومراكز بحث وشبكات، تعمل بآلية التشبيك، تُعنى بمشاركة المرأة مشاركة فعالة في الشؤون العامة غير أنها تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي استخداما يكاد يقتصر على النشر وتقاسم المضامين بين أعضائها. والنشر أمر جيد غير أنه نشر مضامين غير محددة الأهداف علاوة على أن منتجيها ليسوا إلا نادرا من الأعضاء الناشطين فيها.

فالشبكات المعنية بمناصرة المساواة في المشاركة تضم عددا كبيرا من الناس مما يمكّنهم من إنشاء فرق داخل الشبكة تعمل منفردة أو مجتمعة، افتراضيا وواقعيا، لإنتاج مضامين تقنع الناس بما يسعون إليه. والإنتاج ذو الأهداف المحددة يقلص من تشتت الجهود والعمل وجدواه، وهو عمل دائم الظهور على الشاشات خلافا للمنتوجات الإعلامية التقليدية مما يضمن لها انتشارا أوسع وأجدى وأعمق أثرا، علاوة على أنه عمل يُحدث تفاعلا بتجديد مضامينه عبر التعليقات. إن محركات البحث نهمة عندما تتجدد المضامين.

وهو عمل جماعي، وإن كان منطلقه فرديا، في محيط يقوم على التبادل ثم إن في التبادل إثراء في المعاني لكن أيضا في الشكل بما تتيحه التكنولوجيا من أدوات تعبيرية تتجاوز النص والصورة الحقيقية المجردة إلى الصورة الحقيقية “ذات القيمة المضافة”. إن العمل على ذلك المنوال يمكّن من توظيف تضحية ملالا توظيفا مختلفا لا تقدر عليه وسائل الإعلام التقليدية.

وسائل الإعلام التي رصدت حركات ملالا وسكناتها أهملت الحديث أو كادت عن المليار ونصف المليار دولار الذي تسعى إلى جمعه مؤسسة ملالا لأطفال سوريا المشردين في المخيمات المحرومين من القلم والكراس والكتاب.

18