قضايا روائية

السبت 2017/06/10

في رواية “الساعة الخامسة والعشرون” لقسطنطين جيورجيو تُنزع عن مجموعة من شخصياتها هوياتها الدينية والإثنية، خلال الحرب العالمية الثانية، وتُقتلع من انتماءاتها الطبيعية، وتُرغم على حمل هويات أخرى.

بطل الرواية “يوهان موريتز”، مثلا، مواطن روماني مسيحي بسيط كل ذنبه أن له زوجة جميلة تروق للمفوض في القرية، ولكي يخلو الجو للمفوض تُزوّر لـ”موريتز” وثيقة رسمية تبين أنه يهودي، ويجري إرساله إلى معسكر اعتقال لليهود، لكنه يفر إلى هنغاريا ويُقبض عليه كروماني معاد ويسجن، وعندما تطلب النازية جنوداً من هنغاريا يُرسل ليصبح جندياً نازياً. وهكذا يجري التلاعب بهويته الدينية أولا ثم الإثنية، ويُعاقب في كل مرة على الوضع الذي أرغم عليه، ولا يسمعه أحد حين يؤكد أنه مسيحي.

تناول كتّاب الرواية إشكالية “الازدواجية الإثنية والدينية والثقافية” في العديد من الروايات الأجنبية والعربية، ففي رواية “نادي البهجة والحظ” للكاتبة الأميركية من أصل صيني آمي تان، تشكّل هذه الإشكالية أحد العناصر الرئيسة لشخصياتها النسائية الثماني، اللاتي تحكي قصصهن، سواء ولدن ونشأن في الصين ثم هاجرن إلى الولايات المتحدة، كما هو الحال مع جيل الأمهات، أو ولدن ونشأن في الولايات المتحدة وسط أسر أحد الأبوين أو كلاهما فيها صيني، حيث لا تخفى على أحد مشكلات التكيّف لديهن، بسبب “الوعي المزدوج المشطور”، كما يقول الناقد الأميركي الفلبيني الأصل إي سان جوان.

وتدور رواية “ساق البامبو” للكويتي سعود السنعوسي حول إشكالية الهوية الضائعة والانتماء التي يعاني منها بطلها “عيسى” أو “هوزيه”، فهو مولود لأب كويتي يُدعى “راشد” وأم فلبينية اسمها “جوزافين”، تركت دراستها وموطنها وجاءت للعمل خادمة في الكويت. ينتمي “راشد” إلى عائلة كويتية معروفة ترفض زواجه من خادمة “وضيعة”، فيتزوجها سراً، وينجب منها “عيسى”، الذي يصبح اسمه في بلد أمه “هوزيه”، ويضطر إلى تحرير عقد زواج رسمي لها. لكنه يطلقها ويخفي أمر الطفل عن عائلته، ويرسلهما إلى الفلبين، قبل أن يكمل “عيسى” شهره الثاني. تنقطع أخبار أبيه، بسبب وقوعه أسيرا بأيدي القوات العراقية، ثم يموت، فيعيش الطفل حياة قاسية، وما إن يشتد عوده حتى يبدأ البحث عن جذوره الكويتية، فيستقدمه صديق أبيه “غسان”، الذي ينتمي إلى شريحة “البدون”، إلى الكويت، وتتقبله العائلة على مضض، وتسكنه في ملحق يعيش فيه الخدم، وتتستر عليه خشية من الفضيحة. لكن “عيسى” لا يستطيع الاندماج مع أفراد عائلة أبيه، ولا ينال اعترافهم، باستثناء شقيقته وعمتيه، إلى حد ما، فيعود إلى الفلبين ويتزوج حبيبته ابنة خالته. وهكذا تقوم هذه الرواية على مقاربة سردية شيقة لازدواجية الهوية الوطنية والدينية والثقافية.

النموذج الثالث هو رواية “حارس التبغ” لعلي بدر، التي تروي حياة الموسيقار العراقي “كمال مدحت”، الذي اختطف وقُتل في العام 2006 على خلفية غامضة، وتكشف عن شخصياته الثلاث: فهو الموسيقار اليهودي”يوسف صالح” الذي هاجر من بغداد الى إسرائيل في الخمسينات من القرن الماضي، ولم يطق العيش هناك، فهرب إلى إيران، عن طريق موسكو عام 1953، بجواز سفر مزوّر باسم “حيدر سلمان”، وفي طهران تزوج من ابنة تاجر ثري ولدت له ابنه “حسين”، ودخل بغداد مع أسرته عام 1958، وبقي حتى عام 1980 حيث جرى تهجيره إلى إيران كونه من التبعية الإيرانية، لكنه لم يطق العيش هناك فزيّف شخصية ثالثة هي شخصية الموسيقار “كمال مدحت”، وهرب إلى سوريا، ومنها عاد إلى بغداد، ليصبح فيما بعد أحد أهم الموسيقيين في المنطقة.

أخذ علي بدر عنوان الرواية من ديوان “دكان التبغ” للشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، الذي اخترع فيه ثلاث شخصيات مختلفة، كل واحدة منها وجه من وجوهه، واضعا لها ثلاثة أسماء وأعمارا محددة، وحيوات وأفكارا وقناعات وملامح مختلفة. وكل مرة يطور شكلا للهوية أعمق وأكثر اتساعاً، الشخصية الأولى لحارس القطيع واسمه البرتو كايرو، والثانية للمحروس وهو ريكاردوريس، والثالثة لبائع التبغ الفارو دي كامبوس.

كاتب عراقي

15