قضية إسلام البحيري تعيد طرح أسئلة التحديث والعلمنة على الأزهر

أعادت الجلسة القضائية التي عقدت بداية الأسبوع الجاري في محكمة جنوب القاهرة، والتي تناولت قضية الباحث والإعلامي إسلام البحيري، مسألة المواجهة المتصاعدة بين قطاع واسع من المثقفين المصريين من جهة ومؤسسة الأزهر من جهة أخرى، وذلك حول جملة من القضايا الأساسية أهمها حرية التعبير عن الرأي في مسائل دينية وعدم تجريمها، وأيضا مسألة تجديد الفكر الديني والخطاب الإسلامي.
الجمعة 2016/01/08
تأملات مرتبكة

القاهرة- أثار تصريح الكاتب المصري سيد القمني إدراج مؤسسة الأزهر كمؤسسة إرهابية في مصر العديد من الردود التي نددت بهذا التصريح واعتبرته متهـورا وغير منطقي بالمـرة، وذلك في سياق موجة الاحتجاجات الأخيـرة وسط المثقفين والإعـلاميين والكتـاب المصـريين ضـد محـاكمـة الباحث في الإسلاميات إسلام البحيري.

وقد شهدت جلسة محاكمته الأخيرة في محكمة جنوب القاهرة وقفة احتجاجية داخل القاعة تطالب بإطلاق سراحه وتبرئته من تهمة ازدراء الأديان.

وأشار القمني الذي يواجه احتمال مقاضاته في بلاغ مقدم ضده من أحد أساتذة الأزهر إلى أن “هناك من يقوم بتجهيز الملفات اللازمة حاليا، ليقاضوا الأزهر أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأنا من سيقدم لهم المستندات وأمتلك منها الكثير”.

وأوضح القمني أسباب موقفه العدائي من المؤسسة المسؤولة عن الإسلام في مصر قائلا “إن الأزهر يرى غير المسلمين وغير المنتمين لمذهبه السني الحنبلي كفرة، بالتالي فهو يصدّر الإرهاب للعالم بينما للإسلام رب يحميه، وليس في حاجة إلى مشايخ الأزهر لحمايته”.

وللأزهر علاقة غير إيجابية في مجملها مع المثقفين الذين يتهمونه من وقت لآخر بالتقصير في تجديد الخطاب الديني، وهي المهمة التي أوكلها له الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل نحو عام، وأيضا رفضه تكفير تنظيم داعش الإرهابي، وقد كان رد الأزهر على رفض التكفير أنه لا يريد كمؤسسة قائدة للرأي الديني في العالم أن ينخرط في لعبة التكفير التي يريد داعش جره إليها.

هناك ثورة علمية بالفعل داخل المؤسسة تتم في الوقت الحالي، لكنها لم تتبلور في شكلها النهائي حتى الآن

كما تواجه المؤسسة الإسلامية العريقة اتهامات بالفشل في الرد على المشككين في الثوابت الدينية، والاكتفاء بالوقوف موقف المتفرج بل ومقاضاتهم دون أن يقدموا حججا مقنعة.

تصريحات القمني لقيت استنكارا واسعا من علماء الأزهر، واعتبروها منفذا لخطط الغرب التي تريد أن تعبث بأكبر مؤسسة إسلامية في العالم، والتي احتضنت المسلمين من كافة أنحائه وطالبوا بمحاكمته. فقد صرح بكر زكي عوض أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر لـ”العرب” قائلا “إن تصريحات القمني هدفها لفت الأنظار إليه، فهو لا يعرف الجهود التي يقوم بها الأزهر في مواجهة الإرهاب، وأن هناك ثورة علمية بالفعل داخل المؤسسة تتم في الوقت الحالي، لكنها لم تتبلور في شكلها النهائي حتى الآن”.

وأضاف أن الأزهر بدأ بالفعل خطوات التصحيح من خلال إصلاح الخطاب الدعوي في المناهج المطورة لمرحلة التعليم ما قبل الجامعي، الذي أوشك على الانتهاء منه بالإضافة إلى أن قطاع الوعظ بدأ في تنفيذ التوصيات التي خرج بها مؤتمر الأزهر الأخير عن الإرهاب.

وأشار بكر زكي عوض إلى التناقضات التي ترد في اتهامات المثقفين للأزهر، فبينما يتهمه القمني بأنه يكفر من هم ليسوا على مذهبه، يهاجمه آخرون بداعي تقاعسه عن تكفير تنظيم داعش الإرهابي حتى الآن، لافتاً إلى أن سبب هجوم الكتاب والمفكرين على الأزهر يعود لضعف دوره في الفترة الماضية، وعدم قدرته على مواجهة المشككين في ثوابت الدين.

لكن حالة الغضب من الأزهر استمرت وظهرت بشكل لافت حينما قام منظمو وقفة التضامن مع البحيري (بينهم القمني نفسه) برفع لافتات تنتقد الأزهر كتب عليها عبارات منددة مثل “الأزهر يمثل محاكم تفتيش القرن العشرين” و“إسلام البحيري لم يزدر القرآن ولم يزدر الرسول فأي دين ازدرى؟”، وطالب المتضامنون بتدخل الرئيس السيسي لتصحيح مناهج الأزهر الشريف، والتي اعتبروها تحريضا على العنف والقتل مؤكدين أن منهج الإصلاح الديني لا يمكن أن يتناقض مع الحركة الثقافية المصرية.

مؤسسة الأزهر اعتادت على وجود أصوات تهاجمها من الحين إلى الآخر، وذلك يرجع لوسطيتها التي يشهد بها العالم كله

وكان الرئيس المصري عبدالفتـاح السيسي دعا أئمـة الإسلام لتبني مفهوم عصـري للخطاب الديني، موكـلا المهمـة لكل من شيـخ الأزهر الدكتور أحمـد الطيـب، ووزيـر الأوقـاف محمـد مختـار جمعـة. لكن مـؤسسة الأزهر لم تقـدم مبادرات ملموسة على مدار العام، حسـب مراقبين، ما وضعها في موقف ضعيـف زادت من وهنـه أزمـة الإعـلامي إسلام البحيري الذي قدم آراء جريئة في كتب الحديث ومن بينها كتاب صحيح البخاري.

وقد قال الأزهر عن آراء البحيري إنها تخالف المعارف السائدة في المجتمع، لتصدر إحدى المحاكم المصرية حكما بحبسه 5 سنوات، خففت لاحقا إلى عام واحد، لاتهامه بتشويه الرموز الدينية والأئمة وكبار العلماء.

قضية البحيري أعادت تصعيد الإعلاميين ضد الأزهر، حيث هاجمه إبراهيم عيسى، في برنامجه المذاع على فضائية القاهرة والناس (كانت المنبر الذي ألقى من خلاله إسلام البحيري آراءه) “لتقاعسه عن محاربة الإرهاب”، على حد قوله، وقال “الأزهر أضعف من أن يواجه الإرهاب بل أن عقول شيوخه ومناهجهم وأحاديثهم تصب في مصلحة الإرهاب”.

من جانبه، قال الدكتور عبدالمنعم فؤاد عميد كلية العلوم الإسلامية بجامعة الأزهر لـ“العرب” إن مؤسسة الأزهر اعتادت على وجود أصوات تهاجمها من الحين إلى الآخر، وذلك يرجع لوسطيتها التي يشهد بها العالم كله، مشيرا إلى أن “المهاجمين دائما من العلمانيين الذي يهدفون لتدمير الأزهر، متوقعا أن تفشل جميع محاولاتهم في هز كيان الاعتدال في العالم”.

وأضاف “إن ما يتم ترويجه مخالف لعقيدة الأزهر القائمة على التقريب بين المذاهب والفرق، كما أنه يدعو منذ نشأته إلى السلم والسلام، فالأزهر يمثل حائط السد المنيع ضد الإرهاب، وما قاله القمني كلام غير مسؤول نرفضه جملة وتفصيلاً”. وشدد فؤاد على ضرورة محاسبته على ما قاله، والذي يمثل إهانة كبيرة ليس للأزهر وحده إنما للدولة المصرية بأكملها.

13