قضية البلجيكي في تونس: الفساد محل الدولة

سخرية اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، في تونس بعد الإفراج عن رجل أعمال بلجيكي “متورط” في تهريب أسلحة في عملية وُصفت بـ”النوعية” ليتبين أن المحجوز “ما هو إلا ألعاب للكبار”.
الاثنين 2016/02/22
توجيهات للقضاء على تنظيم "افرح بيا"

تونس- أثارت مسألة الإفراج عن رجل أعمال بلجيكي تم القبض عليه الأسبوع الماضي “متلبسا” بتهمة إدخال أسلحة إلى تونس بطرق غير شرعية انتقادات كبيرة على الشبكات الاجتماعية خاصة فيسبوك.

وأفرج الخميس عن رجل الأعمال البلجيكي فليب تراس وشريكيه (فرنسي وتونسية) بعد الاحتفاظ بهم لمدة ستة أيام وهي المدة القانونية للإيقاف التحفظي في جرائم الحق العام.

وكانت فرقة الأبحاث الديوانية (الجمركية) قد حجزت الأسبوع الماضي حاوية محملة بكمية من السلاح، حسب تصريحات رسمية، كانت في طريقها إلى محافظة نابل (شمال شرق)، بعد مرورها على ميناء رادس التجاري. وكانت الحاوية متوجهة إلى مؤسســـة اقتصادية على ملك مواطن بلجيكي. كما تمّ حجز 8 جوازات سفر بلجيكيّة مزورة وسلاح حربي وطائرة استطلاع (درون) ومعدات غوص.

ويؤكد عديد المتابعين أن عملية القبض والإفراج سريعا عن البلجيكي تكشف عن “الفساد” في الأداء العام للجمارك في مطارات وموانئ تونس، وتطرح هذه العملية أكثر من نقطة استفهام. وأحالت القضية إلى ملف شائك في تونس ينافس ملف التنظيمات الإرهابية ألا وهو تنظيم “افرح بيا”.

و”افرح بيا” هي كلمة السر أو الشفرة في تونس التي يطلقها رجال الشرطة والحرس والجمارك الفاسدون أو غيرهم من موظفي الدولة لطلب الرشاوى من مستعملي الطريق أساسا، ومن غيرهم ممن يطلبون خدمة المرافق الأمنيّة سواء في المعابر الحدودية أو في أي منشأة أمنية أخرى.

وقد يدفع جشع حراس الطريق وحجم الأموال التي يدفعها المهربون والإرهابيون لتأمين عبور بضاعتهم، إلى تسليم الطرقات بسهولة. وكانت تدوينة لليبي على فيسبوك أثارت ضجة واسعة حين أكد “لمّا بـ10 دولارات تختم جوازك، وبـ50 دولارا تختم دون أن تفتّش، طبيعي بـ100 دولار يوصّلونك في موكب رئاسي إلى غاية الفندق حتى لو كانت في حقيبتك قنبلتان!”.

وأكدت دراسة أعدها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن الشركات التونسية التي وقع استجوابها من قبل البنك أكدت أن 2.7 بالمئة من إجمالي مداخيلها السنوية تنفق تحت مسمى الرشوة المقنعة أو هدايا لمسؤولين حكوميين لتسهيل معاملاتها في البلاد.

ولاحظت الدراسة الأوروبية بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية التونسية أن هذه النسبة تفوق بكثير المعدل العام للرشوة المسجلة في بلدان جنوب وشرق المتوسط والمقدرة بنحو 0.9 بالمئة. يشار إلى أن أحدث تقرير للبنك العالمي أكد أن الرشوة تفاقمت في تونس بعد الثورة.

حملة أطلقها بعض الساخرين تطالب بتقديم الاعتذار للمواطن البلجيكي وتعويضه بقطعة أرض

من جانب آخر، نشر فيسبوكيون صورا لأسلحة وشبّهوها باللّعب والأدوات المنزلية، ردّا على تصريحات المسؤولين في الجمارك الذين وصفوا عملية إلقاء القبض على البلجيكي والأسلحة بحوزته بالنوعية والاستباقية وأكّدوا لاحقا أنّ كلّ ما عثر عليه داخل الحاوية كان “مجرّد لعب للكبار”.

وقال مسؤول إن الاختبار الباليستي أثبت أن مسدسا فقط وذخيرته يوصف بالسلاح الناري. كما تساءل تونسيون عن سرعة النظر في هذه القضية والحال أن القضايا في حق التونسيين تبقى أكثر من سنة في أغلب الأوقات ولا يتم النظر فيها.

فيما ذهب آخرون إلى اعتبار أن الفساد أصبح منتشرا في مفاصل الدولة. وكتب الإعلامي سمير الوافي على صفحته على فيسبوك أنّ وجود ضغوط أقوى من كل الأجهزة وفوق كل القوانين أخرجت البلجيكي من ورطته وحوّلت الأسلحة إلى لعب وذلك ما جعلهم يهدئون رجال الجمارك برسائل الشكر حتى يتحملوا حملات التشويه والسخرية التي استهدفتهم.

وكتب معلق آخر في صفحته على فيسبوك “كيف لرجل يعمل في الجمارك قضّى حياته في العمل في الميناء ألا يفرق بين سلاح حربي ولعبة؟ وبين عيارات نارية وأخرى مزيفة؟ على من تكذبون؟ قولوا إن أسيادكم لم يرضوا عنكم”.

وحوّل الفكاهي التونسي في إذاعة موزاييك الخاصة “ميغالو” عملية الإفراج عن البلجيكي إلى موضوع للتهكم، كما علق الفنان الأزهر الضاوي على الواقعة من خلال قصيدة نشرها على صفحته على فيسبوك جاء فيها: شدّينا البلجيكي… (قبضنا على البلجيكي) سيبنا البلجيكي (أفرجنا عن البلجيكي) والحياة في بلادي.. مسلسل مكسيكي”.

بدوره كتب معلق “القضية ليست قضية البلجيكي أو الأسلحة، القضية أكبر من ذلك هي قضية وطن مسلوب.. وشعب مخدوع.. وحكام عملاء ومفكرين مفلسين فكريا”.

كما طالب البعض ساخرين بإطلاق حملة للمطالبة بتقديم الاعتذار للمواطن البلجيكي الذي تمّ توقيفه وتعويضه. وانتشرت صورة كتب عليها “إطلاق سراح البلجيكي صاحب حاوية السلاح … وبناء عليه لابدّ من محاكمة الشعب التونسي بتهمة الإفراط في سوء النية”.

وكتب شخص “يجب على الأقل تعويضه بقطعة أرض في ضفاف البحيرة أو في قرطاج.. ويمكن أن تكون هذه الأرض ملكا له على غرار ما حصل للسفارة الأميركية”. وقدمت تونس مؤخرا قطعة أرض تقدر قيمتها بحوالي 9 ملايين دولار أميركي للسفارة الأميركية كتعويض عن الأحداث التي حصلت في السفارة في سبتمبر 2012.

19