قضية البوركيني علامة مقلقة على سوء التعايش

السبت 2016/08/27
انتصار للحرية في فرنسا

باريس – تمثّل قضية البوركيني في فرنسا علامة مقلقة من علامات سوء التعايش بين القيم الغربية وتلك المستوردة من العالم الإسلامي.

وفي الكلام عن سوء التعايش تحميل لطرفي التعايش مسؤولية هذا السوء، علما أن الإشكال يحدث أيضا بسبب الإفراط في التعويل على مقدّس الحريات في الغرب لتمرير رموز وطرق عيش قد تكون نافرة، حتى في بلاد الأصل.

وإذا ما كان الدفاع عن حرية ارتداء المسلمات للباس البحر “الحلال” (البوركيني) يستمد قوته من قوانين الحرية في فرنسا ومن وجود نظام قضائي ذي ثقة، فإن الاعتراض المجتمعي الذي تعبر عنه العشرات من البلديات الفرنسية ينهل ديناميته من تراكم تربوي وثقافي استطاع التخلص، لا سيما منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، من سلوكيات بائدة متقادمة تتعلق بعلاقات الذكور والإناث وبنظرة المجتمع لدور المرأة وصورتها داخل البنيان المجتمعي الفرنسي.

على أن الشجاعة التي تحلت بها جمعيات فرنسية باسم الدفاع عن الحريات، إضافة إلى أصوات أوروبية أدانت تدخل رجال شرطة فرنسيين لإجبار إحدى النساء على أحد الشواطئ وإجبارها على نزع البوركيني، تستدرج تفكيرا من قبل الجالية المسلمة على عدم الإفراط في فرض ما يمكن أن يسبب استفزازا مجتمعيا ويحمل الماء إلى أطروحات نازية مستوطنة في داخل الثقافة الغربية.

ويندرج قرار أعلى محكمة إدارية فرنسية أمس الجمعة بإيقاف الحظر على ارتداء البوركيني ضمن منظومة الحماية الدستورية والقانونية للدفاع عن الحريات، بما يتطلب حسن استخدام شبكة الحماية هذه وعدم اللجوء إلى المحاكم والقوانين والتي من شأنها اتخاذ مواقف سياسية قد لا تتسق مع القناعات العامة للمجتمع.

كما أن فرض البوركيني بقوة القانون لن يمنع من رواج وسائل مجتمعية أخرى يعبّر من خلالها المجتمع عن ضيقه من سلوكيات وتقاليد لا تشبهه ويعدّها مهددة لقيمه.

يذكّر البعض بأن بريطانيا صوتت للخروج من الاتحاد الأوروبي بسبب سلطة القوانين والقواعد الأوروبية على عيش الأوروبيين، وأن فرض النقاب والبوركيني ورموز إسلامية أخرى على المجتمع الغربي بقوة القانون البريطاني قد لا يعدو عن كونه انتصارات صغيرة قد تمهد لنكسات كبرى تهدد وجود الجاليات وترفع من مستوى تهميشها في المستقبل.

لا خطر يتهدد تمسك فرنسا بنظامها الديمقراطي وإسقاط أي محرم أمام النقاش العام. وها هو رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، الذي أعلن دعمه لرؤساء البلديات الذين منعوا البوركيني باسم صون الأمن العام، يعلن أن “كل ما يمكن أن يبدو تمييزا، وأي رغبة في مهاجمة الإسلام أمر مدان بالتأكيد”.

واضاف فالس “لسنا في حرب ضد الإسلام (…) إن الجمهورية متسامحة (مع المسلمين) وسنحميهم من التمييز”، لكنه اعتبر أن “البوركيني دلالة سياسية للدعوة الدينية تخضع المرأة”.

وإذا ما أضفنا تصريح فالس إلى تصريح لوزيرة التربية نجاة فالو بلقاسم التي وصفت “تكاثر” القرارات لحظر البوركيني بـ”الانحراف السياسي” الذي “يطلق العنان للكلام العنصري”، فإن ذلك يعني أن لا إجماع حكوميا، وبالتالي لا إجماع مجتمعيا، ولا إجماع ثقافيا حول كيفية التعامل مع ظواهر مقحمة على الحياة اليومية الفرنسية.

وإذا ما كان اليسار الحاكم مربكا في معالجة الأمر، فإن اليمين، لا سيما ذلك المتطرف الكاره للإسلام والمسلمين ينتعش من هذا الصدام المجتمعي ويقوي آماله للعبور إلى السلطة، بما لا يخدم إسلاما ولا مسلمين.

اقرأ أيضا:

القضاء الفرنسي يحسم الجدل.. البوركيني متاح على الشواطئ

1