قضية "البوركيني" في فرنسا.. "ليست قصة رمانة بل قلوب ملآنة"

حظر “البوركيني” في البعض من الشواطئ الفرنسية، أعاد أسئلة الاندماج إلى نقطة الصفر وقسّم الآراء إلى فريقين وأسال الكثير من الحبر في الإعلام الأنغلوسكسوني، الذي بادرت أصوات كثيرة فيه إلى استنكار هذا الإجراء الذي من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من التصدع ويهدد مستقبل التعايش، على اعتبار أنّ هذا الحظر لم يكن سوى مظهر من مظاهر ردات الفعل المتشنجة إزاء العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا.
الخميس 2016/08/25
البحر يتسع للجميع

حالة انعدام التواصل، واستحالة التلاقي بين غلاة التزمت والتشدد في العالم الإسلامي من جهة، وأقطاب اليمين العنصري المتطرف في الغرب الأوروبي من جهة أخرى، تشبهان معضلة سرير بروكرست في الأسطورة اليونانية، حيث كان قاطع الطريق الذي سميت الأسطورة باسمه يمتلك سريرا حديديا ويقوم بدعوة أي عابر سبيل ليقوم إزاءه بواجب الضيافة ثم يدعوه إلى النوم في هذا السرير، وكان بروكرست مهووسا بأهمية أن يناسب طول الضيف السرير ويكون على مقاسه تماما، فإذا كان الضيف أطول من السرير، قام بروكرست بقطع الجزء الزائد من ساقيه ليتناسب مع السرير، وإذا كان أقصر من السرير، مطط جسم الضحية وشدّه حتى يتساوى مع طول السرير كي يصبح على مقاسه تماما، أما إذا تناسب طول الضحية مع طول السرير، فإن بروكرست ينظر إلى هذا التطابق على أنه تطابق مع الحقيقة.. ولم يكن لأحد أن ينجو من هذا المصير المرعب لأن بروكرست كان له سريران.

السريران في الأسطورة اليونانية، يمثلان حقيقتين على طرفي نقيض، ولا يوجد لدى الطرفين حلّ يتمثّل في معالجة السرير وتطويعه على مقاس الزائر الضحية، ذلك أنّ الرواية الإغريقية تمعن في التركيز على طبيعة السرير الذي هو من معدن يصعب قطعه، فارتأى صاحبه أن يلجأ إلى الحل الأنسب والأفضل في نظره، وهو بتر ساق الضيف أو تمطيطها.. والنتيجة كارثية في الحالتين.

شاطئ البحر في فرنسا حوّله غلاة اليمين المتطرف ومتشددو التزمّت الإسلامي إلى سرير بروكرست، وفرضوا على زائراته إمّا البوركيني الذي لا تقبله أوساط أوروبية كثيرة وتعتبره مهينا للمرأة أو البيكيني الذي ترفضه مسلمات كثيرات وتعتبرنه نوعا من التعرّي الفاضح، وهو “أمر يثير الصدمة في أن تفرض على شخص ما إمّا العري أو الرحيل”، على حد قول السيدة مريم ويلس لـ”بي بي سي” البريطانية.

هل البوركيني، في نظر “البروكستيين الفرنسيين”، مهين أكثر من إظهار عري جسد شخص متقدم في العمر يرتدي مايوا كلاسيكيا؟، كما جاء في تساؤل لريمونا ألاي من المنظمة البريطانية “إكسبلورينغ إسلام فاونديشن” التي تنشط من أجل فهم أفضل للإسلام.

وهل أنّ ارتداء البيكيني ذي القطعتين لدى أتباع طريقة بروكرست من الإسلاميين، هو أيضا “لا يمنح حرية السباحة والذهاب إلى الشاطئ ويشعر صاحبته بالإحراج والإخلال بالالتزامات الدينية”، كما جاء على لسان عائشة ضياءالدين للتلفزيون العام البريطاني؟

تبالغ الأوساط اليمينية الفرنسية في ضرورة المطالبة بدمج المسلمين في ثقافة مجتمعهم ذي الأعراق المتعددة، وعندما يشاركونهم الشاطئ على طريقتهم يرفضونهم، ألا يشبه هذا طريقة بروكرست في استضافة المسافرين على سريره المحيّر، وعندما يستلقون ويتمدّدون يطبق عليهم نظريته العجيبة في جدوى تطابق الجسد مع طول السرير.

الشاطئ الفرنسي حوله كل من اليمين العنصري والتزمت الإسلامي إلى سرير بروكرست، وفرضا على زائراته إما البوركيني أو البيكيني

وفي المقابل، يعتبر المحافظون والمتشددون من المسلمين أنّ البيكيني لباس فاضح، يكرّس التعرّي ويهين كرامة المرأة، فهذه “الكرامة” يتجاذبها طرفان متناقضان في ما يشبه لعبة شدّ الحبل، فالإسلاميون، وفي أكثر حالاتهم اعتدالا، يعتبرون حفظ هذه الكرامة في ارتداء البوركيني، أمّا الأشدّ تطرفا من هؤلاء، فيدعون إلى محاربة البيكيني لدى المسلمات وغير المسلمات على حد سواء.

أعداء البوركيني في الأوساط الفرنسية يرون في ارتدائه إهانة لكرامة المرأة وشكلا من أشكال التمييز والاستعباد التي تحاول الأقليات المسلمة نشرها وتعميمها على المجتمع الفرنسي ذي الغالبية الكاثوليكية والثقافة التحررية.. ولكن هل تتمثل النزعة التحررية والأفكار المنفتحة في رفض أسلوب الآخر وطريقته في الحياة، وما ضرّ المواطن الفرنسي في أن تسبح إلى جانبه سيدة ترتدي البوركيني؟.. ومن أدراه، لعلّها ارتدت هذا اللباس كي لا تلوّح الشمس بشرتها، مثلما فعلت نايجلا لاوسن، المذيعة الشهيرة في التلفزيون البريطاني، والتي ارتدت البوركيني عام 2011 على إحدى شواطئ سيدني.. سيدني التي جاءت منها مصممة البوركيني عاهدة زناتي.

حظر “البوركيني”، أثار موجة انتقادات في البلدان الأنغلوسكسونية التي اعتبرت منع الملابس التي تحمل دلالات دينية عائقا أمام الاندماج، ورؤية سيدة ترتدي النقاب أو البرقع في بعض المدن والأحياء ذات الغالبية المسلمة في المملكة المتحدة، ليست أمرا نادرا أو غريبا، ولا يثير الجدل مثلما يحصل في فرنسا، وهذا من شأنه أن يثير عدّة أسئلة حول طبيعة الديمقراطيتين العريقتين في أوروبا وأسباب التباين.

ويرى المراقبون أنّ الأمر لا يتعلّق بمجرّد رفض للباس سباحة يمكن رؤيته على الشواطئ أو داخل مسابح عديدة في مدن أوروبية كثيرة، بل بتبعات الهجمات الإرهابية التي أصابت فرنسا، وارتدادات تلك الأعمال الإجرامية على المجتمع الفرنسي، فالمسألة كما يقول المثل السائد في البلاد العربية “القصة ليست قصة رمّانة بل قصة قلوب ملآنة”.

13