قضية المهجرين تضيق أفق المصالحة في عراق ما بعد داعش

التجاوزات الكثيرة التي مارستها ميليشيات الحشد الشعبي ضدّ سكان المناطق التي شاركت في استعادتها من تنظيم داعش، من تهجير وخطف واعتقال خارج القانون، تعمّق الشرخ الطائفي في جسد المجتمع العراقي وتعسّر عملية تعافي البلد من تبعات الحرب وتجاوزها نحو مرحلة الاستقرار المنشود.
السبت 2017/05/13
جرح الصخر الذي لا يندمل

بغداد - لا تزال قضيّة المهجّرين الممنوعين من العودة إلى مناطقهم والأسرى لدى الميليشيات الشيعية في العراق، تثير المخاوف بشأن مستقبل التعايش بين الطوائف والأعراق في البلد، وجهود ترميم الوحدة الاجتماعية المتضرّرة بشدّة وتحقيق التسوية التي تنظّر لها قوى سياسية، وبسط الاستقرار خلال مرحلة ما بعد تنظيم داعش الذي تشارف الحرب ضدّه على نهايتها.

وأسفرت الحرب على التنظيم المتشدّد، والتي دارت بشكل رئيسي في مناطق تسكنها غالبية سُنيّة وشارك فيها عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات الشيعية المنضوية ضمن ما يعرف بالحشد الشعبي، عن تهجير الآلاف من سكان تلك المناطق وأسر آلاف آخرين على أيدي الميليشيات ذاتها بشبهة الانتماء للتنظيم المتشدّد أو احتضانه أو التستّر عليه والتعاون معه.

ولا يتردّد عراقيون في القول إن وراء الإصرار المتواصل إلى اليوم على عدم السماح للمهجّرين بالعودة إلى ديارهم، رغم مضي وقت طويل على استعادتها من تنظيم داعش، سعيا لإحداث تغيير ديموغرافي في مناطق يراها قادة شيعة مهمّة لـ”أمن الطائفة ومقدساتها” على غرار منطقة جرف الصخر بمحافظة بابل، ومناطق حزام بغداد. بينما ينطوي أسر مواطنين دون اتهامات واضحة ومن قبل جهات غير مخوّلة أصلا باحتجاز الناس والتحقيق معهم، على عملية انتقام وترهيب على خلفيات طائفية.

وحمّل تحالف القوى العراقية، الذي يعتبر أعضاؤه أنفسهم ممثلين سياسيين لسنّة العراق، الحشد الشعبي مسؤولية الحفاظ على حياة المعتقلين والمختطفين لدى فصائله وذلك بعد اتهام القيادي في الحشد كريم النوري لهؤلاء الأسرى بأنهم مقاتلون من داعش.

وقال التحالف في بيان إنّ “تخبّط الحشد الشعبي ومحاولته خلط الأوراق أمام الرأي العام لن يعفيانه من مسؤولية الحفاظ على أرواح ودماء أبنائنا المختطفين من قبل بعض فصائلها المقاتلة المعروفة لدينا”، مبيّنا “كنا نتمنى من كريم النوري أن يكون أكثر إنصافا وتعاونا من خلال مطالبة مديرية أمن الحشد الشعبي وفصائله الماسكة لقاطع سيطرة الرزازة بالكشف عن مصير مفقودينا الـ2900، بالإضافة إلى المختطفين من أبناء مدن جرف الصخر وتكريت وسامراء والحويجة والموصل، وليس اتهامهم بالقتال مع داعش”.

كما دعا التحالف في بيانه رئيس الوزراء حيدر العبادي بصفته رئيس هيئة الحشد الشعبي وفق القانون إلى “الكشف عن مصير المفقودين على معبر الرزازة وباقي المختطفين، وإعادتهم إلى ذويهم”.

وبعد قرابة الثلاث سنوات من الحرب على داعش في العراق، بات الكثير من مناطق البلاد يخضع لـ”قانون” وضع اليد وفرض السيطرة بقوّة السلاح من قبل ميليشيات مسلحة بعضها خارج عن سيطرة الحكومة بشكل معلن والبعض الآخر يتبع لها شكليا.

نسبة من سمحت لهم الميليشيات بالعودة إلى ديارهم بجرف الصخر لا تتجاوز خمسة بالمئة من المهجرين جلهم من النساء والأطفال

وتعتبر منطقة جرف الصخر بمحافظة بابل في وسط البلاد إحدى تلك المناطق التي باتت خارج سيطرة داعش والحكومة معا.

فبعد أكثر من عامين ونصف العام على طرد التنظيم منها لا يزال سكانها يستجدون العودة إلى منازلهم تارة من الميليشيا المسيطرة عليها وتارة أخرى من الحكومة، وتارة يحاولون توسيط إيران ذات النفوذ الكبير على الميليشيات الشيعية في العراق لتساعدهم في تحقيق ما بات حلما بالنسبة إليهم.

وتشير تقارير إلى أن الفصيل المسيطر على جرف الصخر ليس سوى كتائب حزب الله العراق المعروفة بشراستها وتشدّدها والتي كانت وراء اختطاف الصيادين القطريين الذين أطلق سراحهم مؤخرا بصفقة لم يعلن عن كافّة تفاصيلها.

وتقع ناحية جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل على بعد ستين كيلومترا جنوب غرب العاصمة بغداد بمساحة تبلغ خمسين كيلومترا، وكان يسكنها نحو 50 ألف مواطن أغلبهم من قبيلة الجنابيين السنيّة من الفلاحين العاملين في الزراعة كون المنطقة خصبة وتقع على الضفة الغربية من نهر الفرات.

وقال الشيخ أحمد ناصر الجنابي أحد وجهاء قبيلة الجنابيين بجرف الصخر إنّ الأهالي لم يتمكّنوا من الحصول على موافقة الميليشيات الشيعية التابعة للحشد الشعبي الذي تقول الحكومة إنّه تحت إمرتها، للعودة إلى مناطقهم رغم طرد داعش منها.

وذكر الشيخ الجنابي في تصريح لوكالة الأناضول من مقرّ سكناه المؤقّت بمدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار غربي العراق، أن نسبة المواطنين الذين سمحت لهم الميليشيات بالعودة إلى جرف الصخر لا تتجاوز 5 بالمئة فقط وجلهم من النساء والأطفال.

وبهدف فك المنع الذي تطبقه الميليشيات المسلحة بخصوص عودة أهالي الجرف، يكشف خالد المفرجي النائب عن اتحاد القوى العراقية، عن قيام وفد عشائري يمثل الناحية بزيارة إيران عدة مرات خلال العامين الماضي والحالي آخرها في فبراير 2017 لأجل أن تتوسّط طهران لدى بغداد لإعادة المهجّرين إلى منازلهم.

وقال المفرجي، إن الوفد العشائري المذكور التقى مسؤولين كبارا في طهران بالتنسيق مع السفارة الإيرانية في بغداد، لكن من دون جدوى.

وبيّن أن نواب اتحاد القوى يقدمون كل مرة ملف إعادة النازحين إلى جرف الصخر وغيرها من المناطق إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي، وهو يجيبهم في كل مرة بأن الأجهزة الأمنية تقوم بتدقيق أسماء المتورطين مع داعش لمحاسبتهم ومنع عودتهم مع النازحين في تلك المناطق، وأن الجميع سيعود لكن تباعا.

وفي مارس الماضي وجه عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية محمد الكربولي، مساءلة شفهية للعبادي بشأن التلكؤ في إعادة النازحين إلى جرف الصخر، وما يواجهونه من ظروف صعبة في مخيمات النزوح.

وتضمنت المساءلة الاستفسار عن مصير المواطنين المختطفين أيضا من أبناء الفلوجة والصقلاوية في نقطة تفتيش الرزازة بمحافظة الأنبار ومن أبناء سامراء وديالى وحزام بغداد.

3