قضية شعب.. وليست مسألة كيمياوي

الجمعة 2013/09/20

لا يمكن إلا الترحيب بالاتفاق الأميركي- الروسي في شأن الأسلحة الكيمياوية السورية، على الرغم من سذاجة الإدارة الأميركية ومن أن موسكو سارعت إلى تحوير الاتفاق وتوظيفه لخدمة مآربها المتمثلة في تجنيب النظام السوري ضربة عسكرية.

مثل هذا الاتفاق يحرم النظام السوري من مادة سامة يتذرّع بأنها تساعد في تحقيق التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل، لكنها لم تستخدم في الواقع إلا ضد الشعب السوري. لم يكن سرّاً في يوم من الأيّام أن كلّ أسلحة النظام السوري صالحة للاستخدام في وجه السوريين واللبنانيين وحتى العراقيين، لكنّها لم تكن يوماً موجهة إلى اسرائيل التي تحتل هضبة الجولان منذ عام 1967.

في كلّ الأحوال يعرف كلّ من لديه ذرة عقل وقليل من المنطق أنّه كان في استطاعة سوريا استعادة الجولان عن طريق المفاوضات، وأنه لم تكن هناك سوى تفاصيل لا قيمة لها يمكن أن تحول دون التوصل إلى اتفاق مع اسرائيل. لكنّ النظام فيها فضّل دائما المتاجرة بالجولان على استعادتها. وجد أن ذلك مناسباً له وأنّ المتاجرة بالجولان ستساعد في تحقيق انتصارات على لبنان واللبنانيين عن طريق إبقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة إلى ما لا نهاية. مثل هذا القرار يعكس رغبة في الانتقام من لبنان واللبنانيين من جهة، واسترضاء إيران من جهة أخرى، وذلك من منطلق أن لديها رغبة في أن تكون على تماس مع اسرائيل. وهذا ما حصل بالفعل على حساب لبنان واللبنانيين وأهل الجنوب الذين حرموا من حياة كريمة كانت ولا تزال في متناول اليد.

مرة أخرى، من المفيد والمستحب التوصّل إلى اتفاق أميركي- روسي في شأن الأسلحة الكيمياوية التي في حوزة النظام السوري. مثل هذا الاتفاق يمكن أن يكون بداية لوفاق دولي قد يسمح يوما بإيجاد تسوية تنهي الأزمة السورية.. وتعيد البلد إلى أهله. وهذا يعني في طبيعة الحال تمكين السوريين من إقامة دولة تحمي حقوقهم وتحفظ كراماتهم. الأكيد أنّ قيام مثل هذه الدولة آخر هموم روسيا، وربّما أيضاً الإدارة الأميركية المنهمكة في كيفية تفادي أي حرب جديدة يمكن أن تنهي الولاية الثانية لباراك أوباما الذي يتطلع إلى ترك بصماته في الداخل الأميركي، خصوصاً في حقل التأمين الصحّي، بصفة كونه أوّل رئيس أسود للولايات المتحدة.

هل هناك من يسعى بالفعل إلى إخراج سوريا من أزمتها، أم أن القوى المهتمة بالتسوية أو باستمرار الأزمة، في مقدّمتها أميركا وروسيا وإيران، تريد احتواء الوضع السوري لا أكثر؟

أميركا لا تريد مشكلة جديدة، خصوصاً أنها لم تشف بعد من حرب العراق، كما أنّها لا تزال عالقة في أفغانستان حيث لديها حاجة إلى الأراضي الروسية لتزويد القوات الأميركية في هذ البلد بكل ما تحتاجه. ولاشكّ أن هذه ورقة ضغط روسية قوية لها تأثيرها على طبيعة العلاقات بين البلدين.

أما روسيا نفسها، فما يهمّها يتمثل في المحافظة على مواقعها في سوريا من منطلق أنها آخر دولة مهمة في الشرق الأوسط تمتلك نفوذا فيها. الأهمّ من ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين ليس مهتماً بما إذا كانت سوريا ستبقى موحّدة أم لا، ما دام موقفه المؤيد لنظام بشّار الأسد والداعم له يقوّيه داخلياً ويكسبه شعبية هو في أشد الحاجة إليها. هناك حاجة لدى المواطن الروسي لظهور بلده في مظهر من استعاد بعض أمجاد الاتحاد السوفياتي. وهذا ما يستغلّه بوتين، المستفيد أيضاً من مصالح معيّنة تربطه بأركان النظام، إلى أبعد حدود، بل إلى حدود ذات طابع مادي صرف لا علاقة لها بالحدّ الأدنى من التعاطف الإنساني مع الشعوب الثائرة على الذلّ والظلم والاضطهاد. تبقى إيران التي تعتبر أن سوريا مستعمرة من مستعمراتها وجزء من مشروعها الإقليمي الممتد من طهران إلى مارون الراس جنوب لبنان، والذي يستخدم المذهبية من أجل تحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بالدين. إلى أن تستعيد إيران وضعها كدولة طبيعية في المنطقة تهتمّ أوّلا بشؤون مواطنيها ورفاههم بعيدا عن الأوهام، لا أمل في ثنيها عن إلقاء كلّ ثقلها إلى جانب النظام الفئوي في سوريا، خصوصاً أن هذا النظام قبل منذ سنوات عدة أن يكون مجرّد تابع لها لا أكثر.

لكلّ من الأميركي والروسي والإيراني حساباته. وهذا ما ظهر جلياً في مرحلة ما بعد اتفاق جنيف بين الوزيرين جون كيري وسيرغي لافروف. فلو كانت روسيا جدّية في إيجاد حلّ في سوريا ولسوريا، لما كانت ترددت في دعم صدور قرار ملزم عن مجلس الأمن يضع النظام السوري أمام مسؤولياته ويجبره على تفكيك ترسانته الكيمياوية. كلّ ما أرادته روسيا هو تفادي ضربة أميركية تستهدف القوات التابعة للنظام السوري. وقد حقّقت الغرض المطلوب، أقلّه مؤقتاً.

تختلف الحسابات الأميركية والروسية والإيرانية. لكنّ ذلك لا يحول دون وجود ما يجمع بين القوى الثلاث. ما يجمع بينها يتمثّل فيما فاتها. فاتها عدم أخذها في الاعتبار العامل الأهمّ في المعادلة السورية. هذا العامل هو الشعب السوري الذي يرفض العودة إلى الماضي، أي إلى أن يكون تحت نير نظام لا همّ له سوى استعباده وإذلاله. لو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت الثورة السورية مستمرّة منذ ما يزيد على ثلاثين شهراً. يرفض كل سوري أن تتكرر حماة على المستوى السوري كلّه.

حصلت مجزرة حماة عام 1982. كانت شهادة الوزير السوري السابق أسعد مصطفى في الحلقات المتميّزة التي ظهر مع الزميل طاهر بركة على «العربية» أفضل تعبير عن مشاعر كلّ مواطن سوري تجاه النظام.

ليس هناك سوري يقبل في 2013 أن تتكرر تجربة حماة على نطاق البلد كله بعد مرور واحد وثلاثين عاماً عليها، وذلك حتى لو كلّف ذلك سقوط مليون شهيد. من يستمع إلى أسعد مصطفى، وهو من منطقة حماة وكان محافظاً لها في العام 1985، يدرك لماذا لا يمكن للشعب السوري إلا أن ينتصر، فكّك النظام الكيمياوي أم لم يفكّكه.. القضية قضية شعب وليست مسألة كيمياوي.


اعلامي لبناني

8