قضية عبدالمؤمن خليفة في الجزائر: من وراء تسويف المحاكمة الشفافة

الخميس 2014/06/05

تشير كل الدلائل والقرائن أن النظام الجزائري مثقل بعدد من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاثنية منها أزمة السكن وأزمة البطالة، وأزمة تبخر مبلغ 800 مليار دولار بدءا بتولي الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للحكم في البلاد إلى يومنا هذا، وذلك وفقا لما صرَح به منذ أيام معدودة سيد أحمد غزالي رئيس الوزراء الجزائري في عهد الشاذلي بن جديد ونشرت تصريحه هذا الصحافة الجزائرية، وتبعات وتداعيات أزمة العهدة الرابعة فضلا عن أزمة اختلاس الأموال بمليارات الدينارات في شتى المؤسسات الوطنية التابعة للدولة وفي صدارتها فضيحة شركة سوناطراك النفطية العملاقة التي بطلها وزير النفط الجزائري شكيب خليل وشلة من المقربين إليه.

إن هذه الأزمات المركبة لا تزال معلقة، وهي الآن تسبح في الفلك ولم تتم تصفيتها حتى هذه اللحظة. وها هي فضيحة ما يدعى بقضية عبدالمؤمن خليفة سيئة السمعة تعود مجددا إلى الواجهة بعد تعليقها لسنوات، ولكن هذه المرة من بوابة العاصمة الفرنسية. كما نعرف فإنه بعد الاتفاق الذي أبرم بين بريطانيا وبين النظام الجزائري منذ مدة ليست بالطويلة والذي بموجبه تم نقل صاحب الامبراطورية المالية المنهارة عبدالمؤمن خليفة إلى الجزائر في 24 ديسمبر 2013 لمحاكمته فيها شرعت محكمة “نانتير” الفرنسية باريس يوم الاثنين الماضي في ما يشبه ضربة استباقية في محاكمة هذا الرجل في غيابه.

ويرى المراقبون أن هذا الإجراء غير مجد لأن غيابه عن المحاكمة يعني مباشرة عدم الوصول إلى الحقائق التي يمكن أن تفجر أسرارا جديدة في فضيحة القرن، كما جاء في تعليق الإعلامي والمعلق السياسي الجزائري محمد مسلم. ومما يزيد الطين بلة بخصوص هذه القضية الخطيرة هو أن دفاع عبدالمؤمن خليفة قد طلب رسميا ووفق الأرضية القانونية إسقاط المحاكمة برمتها بسبب “تقادم” الاتهامات التي وجهت له منذ 11 سنة. نظرا لهذه العقبة القانونية وحيثيات أخرى قامت محكمة نانتير بتأجيل النظر في المحاكمة إلى يوم 20 جوان الجاري علما أن عبدالمؤمن خليفة لن يحضر أيضا جلساتها لأن الجزائر رفضت ولا تزال ترفض تسليمه للسلطات الفرنسية بدعوى أن ذلك يمس بسيادة القضاء الجزائري والدولة الجزائرية من جهة، ومن جهة أخرى فإن مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى تأجيل محاكمته بالجزائر لسنوات طويلة بعد أن مكث ببريطانيا وبموجب قرارات القضاء البريطاني عقدا كاملا من الزمان، وأنه يمكن أن يسفر عن إفلات المتهم الرئيسي عبدالمؤمن خليفة من القضاء الجزائري من الناحية الشكلية، ويمكن أيضا من حيث الجوهر أن يأخذ عبدالمؤمن حريته الكاملة ويعلن، وهو محصَن في فرنسا، عن أسماء الشخصيات المشاركة في بناء امبراطوريته المالية الخيالية منذ البداية، وكذلك في إفلاسها الصوري في ما بعد.

من غير المستبعد أن مصدر هواجس ومخاوف النظام الجزائري من المحاكمة التي تجري بنانتير الفرنسية تتمثل في أن الشخصيات التي سيكشف أمرها في مثل هذا الجو والمكان والزمان هي من الرؤوس الكبرى في سدة النظام الجزائري الحاكم سابقا وبعض منها قد يكون لا يزال يشغل مناصب قيادية مفصلية وإدارية حساسة في قمة هرم السلطة. هنا ينبغي التذكير بالتأويلات الكثيرة التي تجمع على أن إمبراطورية خليفة المالية الضخمة لم تنزل عليه من السماء بل إن وراءها شركاء متنفذون في الدولة وهم الذين لعبوا أدوارا مفتاحية في التأسيس ومن ثم الاستفادة منها ماليا بالدرجة الأولى.

لابد من التذكير هنا أنَ حكاية إفلاس مؤسسات خليفة غير بريئة مثلما ترجح ذلك عدة دوائر مطلعة، لأن المجمع التجاري والخدماتي متعدد الخدمات، المسجل باسم عبدالمؤمن خليفة ليس مجرد شركة صغيرة أسسها فرد معروف مسبقا بأنه لا يملك رؤوس أموال عملاقة، بل إنه بمثابة أخطبوط مالي ضخم تعادل ميزانيته ميزانية دولة مثل موريتانيا، ويتمثل ذلك في عدد من الطائرات يقدر ثمنها بـ5،5 مليارات أورو على الأقل، و12 سيارة من الطراز الرفيع وقصر سكني يقع في مدينة “كان” التي تعد معقل السياحة الفرنسية. ويقدر مجموع المبلغ المدفوع أثناء الشراء بـ35 مليون أورو.

بالإضافة إلى هذين المبلغين الكبيرين هناك مبالغ أخرى تتمثل في ودائع المواطنين الجزائريين، المقدرة بمئات ملايين أورو من العملة الصعبة وبعشرات المليارات من الدينارات الجزائرية معا التي وضعت من طرفهم في حسابات الادخار ببنك خليفة المسجل رسميا باسم عبدالمؤمن خليفة.

في هذا السياق ينبغي عدم نسيان المبالغ الكبيرة التي حولها عبدالمؤمن خليفة لصالح خدمات شبكة الفضائية التلفزيونية التي أسسها مع أعوانه بفرنسا وبريطانيا، حيث نشطت إعلاميا لمدة لا بأس بها حتى وقت إغلاقها وهي مبالغ تقدر بمئات الملايين أورو. وفي الواقع فإن قضية ما يسمَى بامبراطورية خليفة معقدة جدا ولها ذيول كثيرة منها مثلا ظهور رئيس وزراء الجزائر السيد علي بن فليس في حفل تلفزيوني موثق بالصوت والصورة لتلميع صورة الجزائر بعد عودة بوتفليقة وتسلمه للحكم كرئيس للدولة في الجزائر، وهو حفل أقامه عبدالمؤمن خليفة بمشاركة شخصيات سياسية وثقافية ونجوم الفن الجزائري، ونجوم الفن الفرنسي. إن هذه الحيثيات تلمح على نحو غير مباشر إلى أن عبدالمؤمن خليفة لم يكن وحده في المشهد السري، الذي توج بإنشاء ثم إعلان إفلاس المجمع التجاري والخدماتي الكبير والمسجل باسمه على سبيل التلويح به كلاعب فعلي مفرد بعيدا عن شراكة دواليب السلطة في الجزائر، ولكن كل هذا التمثيل المسرحي المقنَع لا يمكن أن يخفي أن هذا الرجل ليس سوى مجرد واجهة فقط في خضم لعبة كبيرة أبطالها الحقيقيون لا يزالون يحرَكون خيوطها بطرق شتى في مواقعهم في عتمة الظلام الدامس.


كاتب جزائري

9