قضية فلسطين والعقبات الكأداء

الجمعة 2013/08/16

تعيش منطقتنا العربية والإسلامية حالات لم نكن نتوقع حدوثها، حالات عصفت وتعصف بكل مقدراتنا وتعرض أمننا القومي والإقليمي لأخطار جمة، حالات اُغتصبت بها أوطان، واُحتلت بها أوطان وتتعرض أخرى للتقسيم. لأول مرة في التاريخ يُعاقب شعب يرزح تحت الاحتلال من قبل حكومات تدعي أنها تمثل المجتمع الدولي، وأيضا من قبل أنظمة جوار، بدل أن يعاقب الطرف المحتل.

صحيح أن كل ذلك يجري بتخطيط وتدبير المحتل الغاصب، ولكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية ما آلت إليه أوضاعنا وعجزنا عن إدارة هذا الصراع مع العدو، فالجميع يتحمل وزر هذا السقوط. تمر قضية فلسطين التي تشكل جوهر الصراع في منطقتنا بأخطار على كافة الأصعدة:

فعلى الصعيد العربي: نجد أن الوضع الراهن مفكك وغارق حتى أذنيه في همومه الداخلية، وفي السعي المرعوب للاحتماء من مخاطر عاصفة إعادة التشكيل المحتملة لجغرافية المنطقة ونظمها السياسية. فالكل يسعى لتقليل حجم المخاطر المترتبة على كيانه دون النظر إلى ما هو أبعد من ذلك. فحالة القلق والإرتباك واللامبالاة قد بدلت سلوك البعض نحو قضية فلسطين، بحيث أصبحت الاتفاقات الفلسطينية- الإسرائيلية ذريعة للبعض من أجل التطبيع مع إسرائيل والتنصل من أية التزامات، بينما يقف آخرون موقف الحيرة والارتباك، وهناك من اتخذ موقف النقد والغضب، وحصيلة كل هذا أننا خسرنا وحدة الموقف العربي المؤيد لقضية فلسطين كقضية مركزية للأمة العربية.

على الصعيد الأوروبي: لم تقم أوروبا بممارسة أي ضغوط سياسية كانت أم اقتصادية على إسرائيل بالرغم من البيانات والتصريحات التي صدرت عن الاتحاد الأوروبي في حينه (بيان البندقية وبيان برلين)، بل اقتصر دورها على تقديم الدعم المالي المحدود للسلطة القائمة.

على الصعيد الأميركي: فإن الانفتاح الذي أبدته الولايات المتحدة تجاه السلطة الفلسطينية لا زال محكوماً بمدى رضا اللوبي اليهودي الأميركي وحكومة إسرائيل، ولا زالت منظمة التحرير الفلسطينية تخضع كل 6 أشهر للمحاسبة على سلوكها من قبل الكونغرس من خلال شهادة حسن سلوك يقدمها الرئيس الأميركي للكونغرس، ولم نحصل من الجانب الأميركي على أي موقف متطور فيما يتعلق بحق تقرير المصير على سبيل المثال أو الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية. ودلّت مجريات الأحداث على عدم جدية الإدارة الأميركية وعدم مصداقيتها في أطروحاتها ومبادراتها السياسية.

فقد دمر الرئيس بوش خريطة الطريق بضماناتها الخمسة التي قدمها لشارون، وبذلك أفقدها مضمونها وجوهرها للوصول إلى تسوية سياسية للصراع القائم في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بالقول: إن العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967 غير ممكنة بعد أن فرضت إسرائيل واقعا جديدا على الأرض يتمثل في؛ المستوطنات، الجدار، ورفض عودة اللاجئين، الادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني، وتبرير اعتداءات إسرائيل الإرهابية تحت ذريعة الدفاع عن نفسها.

أخطر من ذلك قامت دوائر الأمن والمخابرات الإسرائيلية والأميركية بوضع إستراتيجية للعمل في المرحلة القادمة، تقوم على تصفية المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية من خلال المعونات المالية التي تقدمها الدول المانحة للسلطة.

على صعيد الصراع العربي- الإسرائيلي قامت حروب عديدة في المنطقة بهدف تحرير فلسطين وإعادة أهلها إلى ديارهم وممتلكاتهم، بل أن الكثير من الظروف والتقلبات التي مرت بها المنطقة العربية كانت انعكاسات للوجود الإسرائيلي الغاصب ولسياسة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تقف حامية لهذا الكيان وداعمة له بكل الوسائل المالية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. ولاشك أن قضية العودة هي الهدف الاستراتيجي الذي يدور حوله الصراع في منطقة الشرق الأوسط، فعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم وإلى مدنهم وقراهم هي الدافع الأساسي للكفاح الوطني المسلح عبر هذه السنوات الطويلة، ولا يمكن إيجاد حل للصراع العربي- الإسرائيلي إلا بعودتهم. لقد ثبت أن عقدة أي تسوية شاملة لا تأخذ بحق العودة للاجئين هي تسوية ناقصة لن ترى النور، وهذا ما يفسر الرفض الإسرائيلي لكل قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين والتي اتخذت تباعا منذ العام 1948 والقرار 194 وحتى يومنا هذا.وهنا أستعرض المراحل التي مررنا بها في محاولاتنا لتحقيق هذا الهدف، أين أصبنا وأين أخطأنا وما هو واقعنا في هذه الأيام؟

بعد انتصار الثورة الجزائرية بقيادة جبهة التحرير أوصت العديد من الدول العربية وعلى رأسها مصر بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر بضرورة إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وكان ذلك في عام 1964، فعُقد في نفس العام أول دورة لمجلس وطني فلسطيني في القدس بقيادة المغفور له أحمد الشقيري، فكان خطوة كبيرة في دعم العديد من الحركات والأحزاب الوطنية الفلسطينية للنمو والتكاثر، ثم انطلقت الثورة الفلسطينية مع مطلع عام 1965 وبدأ الكفاح المسلح من أرض سوريا العربية رئة الثورة الفلسطينية، ولما قامت إسرائيل بعدوانها عام 1967 بتآمر أميركي، تسلّمت فصائل المقاومة الوطنية الستة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وعقدت أول مجلس وطني لها عام 1969 في القاهرة وانتخب لجنة تنفيذية تمثل جبهة وطنية لقيادة المنظمة.

مررنا بعد ذلك في ظروف صعبة ومعقدة، لقد كان مقامنا الأول في الأردن ثم انتقلنا إلى لبنان، هذا وقد لعبت سوريا دورا هاما في نشوء هذه الثورة وانطلاقتها. وبعد نكسة 1967 بدأت صلاتنا تتعمق بثورة مصر التي قدمت الدعم المتواصل للثورة، وكذلك دولة الكويت، ودول الخليج في مقدمتها المملكة العربية السعودية والعراق وجميع الدول الشقيقة الأخرى. غير أن المنطقة مرت بأحداث تركت آثارها على المقاومة الفلسطينية كحرب تشرين 1973 والحرب الأهلية في لبنان والاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان؛ إلى أن عُقدت اتفاقات كامب ديفيد والتي تلاها اجتياح إسرائيل عام 1982 للبنان. هذه التطورات أضعفت المسيرة الثورية وبدأ الدعم ينحسر بسبب نزاعات إقليمية طاحنة كالحرب العراقية- الإيرانية وحرب الخليج.

وكانت انتفاضة الحجارة عام 1987، الانتفاضة التي فتحت الباب أمام مبادرة الأرض مقابل السلام التي أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، وعقد على إثرها مؤتمر مدريد للسلام الذي شاركت فيه جميع الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية بقرار من المجلس الوطني الفلسطيني، وتشكلت على إثره اللجنة العربية السباعية للتنسيق فيما بينها في عملية المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

إلا أن الالتفاف على الموقف العربي الموحد تجاه عملية السلام الذي سعت إليه مجموعة من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد أفرز اتفاق أوسلو بانعكاساته الخطيرة على مسار النضال الوطني الفلسطيني وإنهاء انتفاضة الحجارة التي أرغمت العدو الصهيوني على حضور مؤتمر مدريد وموافقته على مشاركة وفد فلسطين، وقام اسحق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك بتسويق الاتفاق أمام أعضاء الكنيست يوم 1993/08/31على أنه إنجاز لصالح إسرائيل بقوله:

«إنه اتفاق ثنائي وقد أصررنا على أن لا يشمل الاتفاق القدس لا في إطار التسوية الجزئية ولا في إطار التسوية الشاملة، فالقدس باقية تحت السيادة الإسرائيلية وكعاصمة لإسرائيل؛ وأقصد القدس الموحدة، المستوطنات باقية، لا تفكيك للمستوطنات.. الشيء الثالث الأمن بكل ما يتعلق بالإسرائيليين ليس فقط بالمستوطنات بل بكل إسرائيلي حيث يتواجد..».

وأضاف: «هذا الاتفاق بيننا وبين الفلسطينيين ليس له من ضامن، ولا هو مرهون لأية شروط أو لأية وصاية عربية أخرى، ولا يستند إلى أية اتفاقات مع سوريا أو لبنان أو الأردن، إنه يعطينا حرية المناورة تجاه هذه الدول، اتفاق لا يشتمل على اقتلاع أية مستوطنة أو المساس بأية مستوطنة».

9