قضية مصفى بيجي تكشف مخطط تفقير المحافظات السنية في العراق

المحافظات السنية العراقية التي كانت تشكو التهميش وبطء وتيرة التنمية في مناطقها قبل الحرب على داعش، أصبحت تواجه وضعا كارثيا بفعل ما طال بناها الأساسية من دمار كبير ينذر بغرق سكانها في الفقر لسنوات طويلة لاحقة.
السبت 2016/03/05
استعراض للقوة

بغداد - أثار قرار الحكومة العراقية بتفكيك مصفى بيجي، ونقل معداته إلى جنوب البلاد، غضب أوساط نيابية وشعبية بمحافظة صلاح الدين اعتبرت القرار “نكبة جديدة” للمحافظة التي طال بناها الأساسية دمار كبير بفعل ما شهدته مناطقها من حرب ضارية ضدّ تنظيم داعش بما انعكس على أوضاع السكان الذين اضطر العديد منهم للنزوح عن ديارهم، ويواجهون اليوم مصاعب كبيرة في العودة إليها بفعل ما لحقها من تخريب شمل أيضا مصادر الرزق ومواطن العمل.

ويمثّل مصفى بيجي وهو الأكبر بين مصافي النفط العراقية أهم منشأة اقتصادية في محافظة صلاح الدين المحسوبة ضمن المحافظات السنية في العراق، حيث كان يحوّل 310 آلاف برميل من الخام يوميا، ويشغّل آلاف العمال بينهم عدد هام من الخبراء والمهندسين والإداريين.

وعرفت المحافظة التي يتحدّر منها الرئيس الأسبق صدّام حسين زمن حكم حزب البعث ازدهارا عمرانيا واقتصاديا كبيرين، لكّن سكانها بدأوا منذ سنة 2003 يشكون التهميش ويقولون إنّ حركة التنمية شبه متوقّفة فيها منذ ذلك التاريخ، بل في تراجع بفعل فقدها حتى المنجزات الموروثة عن فترة ما قبل الاحتلال الأميركي للعراق، وعدم صيانة وتجديد البنى التحتية القائمة في المحافظة.

وتعتبر محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار ونينوى، وهي المواطن الأساسية لأبناء الطائفة السنية في العراق، في حكم المنكوبة بالحرب ضدّ داعش، حيث أتت المواجهات الضارية بمختلف أنواع الأسلحة على نسبة كبيرة من بناها، حتى أنّ خبراء في معمار المدن يقولون إنّ مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار بحاجة إلى إعادة بناء كاملة حتى تعود مدينة صالحة للسكن، وهي عملية لا تبدو متاحة في المدى المنظور نظرا لما تتطلّبه من تمويلات كبيرة، فيما الدولة العراقية تعرف حالة شبه إفلاس بفعل تهاوي أسعار النفط والتكلفة الباهظة للحرب.

الصدر يستعرض "جماهيريته" على أسوار المنطقة الخضراء
بغداد - تظاهر، الجمعة، الآلاف من أتباع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، عند مدخل المنطقة الخضراء في وسط بغداد لمطالبة الحكومة بإنجاز وعودها بشأن الإصلاح.

وتوجت المظاهرة عودة الصدر القوية إلى واجهة المشهد السياسي في العراق من بوابة محاربة الفساد والمطالبة بالإصلاح، بعد أن ظلّ لسنوات يبحث عن دور أهم في قيادة البلاد يراه مستحقا له نظرا لمكانة عائلته في مجال التدين الشيعي.

وتضم المنطقة الخضراء، شديدة التحصين، المقر الرئيسي للحكومة العراقية وسفارات دول أجنبية بينها السفارتان الأميركية والبريطانية.

ومن هذه الزاوية حملت التظاهرة رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الأحزاب الشيعية ما تزال قوية في العراق ومتمسكة بحكمه رغم ما اعترى تجربتها في السلطة من فشل على كل المستويات.

وحسب مراقبين، فإن تظاهرات الصدر تحقق له هدفا شخصيا، كما تضمن للعائلة السياسية الشيعية الحاكمة في العراق عدم خروج زمام المطالبة بالإصلاح من يدها بأن تتحوّل إلى مطالبة بإسقاط النظام ككل.

وفي ظل إجراءات أمنية مشددة التي فرضتها القوات الأمنية وتضمنت انتشارا واسعا على طرق وجسور رئيسية تؤدي إلى المنطقة الخضراء، توافد عشرات الآلاف من المتظاهرين على الأقدام تلبية لدعوة الصدر.

وحملت غالبية المتظاهرين، أعلاما عراقية ورددوا هتافات بينها “كلا كلا للفساد”.

وقال الصدر في كلمة مسجلة بثت خلال التظاهرة “أدعو كل الأطراف السياسية لا سيما البرلمانيين، إلى التحاور مع الشعب وممثليه لإزاحة هذا الكابوس، أعني حكومة الفساد”.

وتنتظر مدينة الفلّوجة المصير ذاته، إذ لا مناص من حرب الشوارع بعد أن استحكم تنظيم داعش بداخلها متّخذا مما بقي من سكانها دروعا بشرية.

وكانت معارك ضارية قد دارت داخل مصفى بيجي بين عناصر تنظيم داعش والقوات المسلّحة العراقية المدعومة بميليشيات الحشد الشعبي ما ألحق ضررا كبيرا بالمعدات الثمينة للمصفى والتي يقدّر ثمنها بمليارات الدولارات.

وتوجّهت لاحقا اتهامات كثيرة للميليشيات الشيعية بنهب وسرقة معدّات المصفى وتهريبها لإيران التي يعاني قطاعها النفطي ترهّل معدّاته بفعل العقوبات التي فرضت على طهران لعدّة سنوات على خلفية الشكوك في سلمية برنامجها النووي.

وورد في تقرير إخباري عراقي “أن قيادات الحشد الشعبي فرضت سيطرتها على المصفى واعتبرت نفسها مسؤولة عنه ومنعت إدارة محافظة صلاح الدين أو أي جهة تابعة لوزارة النفط من الدخول بحجة وجود ألغام، غير أن ما جرى لاحقا أثبت أن الميليشيات كانت تهيئ طواقم فنية بغية تفكيك منشآت المصفى ومعداته بأسرع وقت ممكن”.

ونقل ذات التقرير الذي نشرته وكالة العباسية نيوز في وقت سابق عن صحافيين عراقيين قولهم “إنهم منعوا من تفقد المصفى بعد أن ضربت الميليشيات الشيعية طوقا حوله من جميع الجهات وفرضت حظرا على الدخول والخروج منه حتى أنها طردت مسؤولين في مجلس محافظة صلاح الدين جاؤوا لتسلم المصفى”.

وورد أيضا بالتقرير “أن المرحلة الثانية بعد مرحلة التطويق بدأت بتنفيذ خطة لنهب المصفى قادها خبراء إيرانيون وصلوا إلى المصفى وباشروا العمل على تفكيك مختلف معداته ومنشآته التي يمكن الاستفادة منها وحملوها على ظهر شاحنات عملاقة نقلتها إلى إيران عبر طريق شُقّ على عجل يربط جنوب محافظة صلاح الدين بمحافظة ديالى”.

ولا يستثني المعترضون على قرار تفكيك ونقل ما بقي من مصفى بيجي إلى جنوب البلاد وجود نوازع انتقام طائفي وراءه، على خلفية الاتهامات التي توجهّها الميليشيات الشيعية لسكان المحافظات السنية باحتضان تنظيم داعش والتواطؤ معه.

ويذهب بعض هؤلاء إلى القول إنّ من أهداف القرار الذي يبدو غير مبرّر التغطية على أكبر عملية نهب طالت مؤسسة اقتصادية عراقية، مؤكّدين أنّه لم يبق في المصفى شيء يذكر من المعدّات التي سيتم نقلها إلى منشآت نفطية بجنوب البلاد، بعد أن قامت الميليشيات المنضوية ضمن الحشد الشعبي بنهب أهم تلك المعدات وأغلاها ثمنا.

وكان مطشر السامرائي، النائب بالبرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين قد دعا في وقت سابق رئاسة الوزراء إلى العدول عن قرار نقل مصفى بيجي من صلاح الدين إلى محافظات جنوبية، محذرا في ذات الوقت من وجود قرار آخر من وزارة النفط، بنقل مصفى الصينية في المحافظة ذاتها، إلى وحدات في النجف والسماوة.

واعتبر السامرائي أن نقل المصافي من صلاح الدين إلى مصاف في محافظات جنوبية، يعدّ استهدافا للمحافظة، وسيؤدي إلى التحاق نحو 12 ألف عامل بصفوف البطالة.

3