قطارات اليابان تسير بالدقة الإمبراطورية

لم تمنع جغرافية الأرخبيلات في اليابان من بناء شبكة سكك حديدية تربط مختلف المدن والمناطق اليابانية، وساهم انضباط اليابانيين وحرصهم على دقة مواعيد انطلاق هذه القطارات ومواعيد وصولها في الاعتماد عليها كوسيلة نقل أساسية، فيما لم يجد المسؤولون والقائمون عليها أي أخطاء يعتذرون عليها سوى وصول أحد القطارات قبل موعده المقرر بثوان.
الخميس 2018/03/01
قطارات الانضباط لا تعرف الانتقادات

طوكيو - لا تتوقف اليابان، أو كوكب اليابان كما بات يطلق عليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لشدة تميزها عن باقي دول العالم، عن إبهار البشرية، سواء بمبتكراتها الحديثة أو السلوك الراقي والخدمات فائقة التطور التي تقدمها لشعبها.
جانب الإبهار يأتي هذه المرة من السكك الحديدية، التي يضرب بانضباطها المثل في “الدقة الإمبراطورية”، إن جاز التعبير، فكلمة تأخير لم تعرف طريقها بعد إلى هذه الوسيلة الهامة من وسائل المواصلات، لدرجة أن القائمين عليها يعتذرون للركاب لأنها قد تصل أحيانا قبل الموعد المقرر.
وقد حدث هذا بالفعل مع إكسبريس العاصمة الذي وصل ذات مرة مبكرا عن موعده بعشرين ثانية.
“نتقدم بأصدق اعتذاراتنا للسادة الركاب عن أي إزعاج نكون قد تسببنا لهم فيه”، كتبت شركة السكك الحديدية “متروبوليتان انترسيتي رييل وايز”، على موقعها على شبكة الإنترنت. وقدم المسؤولون في الشركة بيان اعتذار رسمي، وذلك بعد أن تحرك قطار من المحطة قبل موعده المحدد بـ20 ثانية فقط.
ومن المفترض أن يكون موعد انطلاق أحد قطارات خط تسوكوبا إكسبريس من محطته مينامي ناغارياما في تمام الساعة التاسعة و44 دقيقة و40 ثانية، إلا أن القطار تحرك في التاسعة و44 دقيقة و20 ثانية، أي قبل موعده بـ20 ثانية كاملة.
وعلى الرغم من أنه لم ترد شكوى واحدة من الركاب بشأن الواقعة، إلا أن مديري المحطة رأوا ضرورة التقدم باعتذار رسمي عن هذا الخطأ، ليضربوا مثالا في الانضباط يصعب تقليده.
وبالفعل يحق لليابان أن تفخر بأنها تمتلك خدمة السكك الحديدية الأكثر انضباطا ودقة في العالم، بالإضافة إلى الاستحواذ على ثقة الركاب من جودة الخدمة ونظافة القطارات. ويقول تكاشاي هارا، البروفيسور بجامعة اليابان المفتوحة، “الالتزام الصارم بدقة المواعيد عادة عريقة ترجع إلى عهد القطارات الخاصة التي كان يستقلها الإمبراطور وعائلته”.

قطارات "الطلقة" مفخرة اليابان
قطارات {الطلقة} مفخرة اليابان

وتؤكد صحيفة “أشاي شيمبون” صحة ذلك، حيث ذكرت أن القطار الذي أقل الإمبراطور من كيوتو إلى طوكيو عام 1928 التزم بموعده بالثانية.
وعلى الرغم من أن الإمبراطور يستخدم في تنقلاته هذه الأيام القطار العادي، فإن السكك الحديدية اليابانية لا تزال تتحلى بنفس الصرامة في الالتزام بدقة المواعيد ومن ثم استحقت عن جدارة وصف “الدقة الإمبراطورية”، وهذا يسري على قطارات الإكسبريس العادية، وكذلك على القطارات فائقة السرعة أو “الطلقة” باللغة اليابانية ويربط طوكيو بهيروشيما في أقل من أربع ساعات لمسافة 809 كيلومترات، ويعد مصدر فخر بجدارة للشعب الياباني.
وباستثناء خروج الأمور عن السيطرة أحيانا، في حالة الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل، لا يتأخر هذا القطار أبدا، حيث بلغ الفارق 39 ثانية عام 2011، وفي 2015 كان حدثا استثنائيا أين سجل قطار توكايدو فائق السرعة تأخيرا بلغ 54 ثانية.
والقطار، فضلا عن سرعته الخارقة، فهو يتميز بالهدوء العالي والراحة الكبيرة التي يؤمنها للمسافرين، فضلا عن الوثوقية العالية، حيث لم يسجل منذ بداية تطويره في ستينات القرن الماضي إلى اليوم أي حادث.
وبالإضافة إلى التكنولوجيا المتطورة والحرص على الحالة الممتازة، يرجع انضباط قطار “الطلقة” لأسباب أخرى منها أن شبكة خطوط هذه الخدمة منفصلة تماما عن شبكات قطارات الضواحي ونقل البضائع، وتتمتع بطريق مستقل تماما على طول مسارها تقريبا، ومن ثم فإن دخول القطار فائق السرعة وتبلغ سرعته 300 كيلومتر في الساعة لرصيف المحطة أو خروجه، لا يستغرق 15 ثانية وفقا لخطة التشغيل.

سكك تعبر الجبال والبحار
سكك تعبر الجبال والبحار

وبناء عليه يتعين، على الفنيين الذين يقومون بتشغيل القطار أن تكون واضحة في أذهانهم دائما المسافات بين كل محطة يتحركون منها وزمن الوصول إلى المحطة القادمة، فإذا تجاوز حسب هذا التقدير زمن التأخير المتوقع أكثر من دقيقة انطلقت أجهزة الإنذار في المحطة الرئيسية، لتبدأ عملية تنسيق بين المركز الرئيسي وقائد القطار لتعويض زمن التأخير، تفاديا لحدوث أي أخطاء.
ومن ناحية أخرى يرتبط انضباط القطارات في اليابان بمفهوم الشعور بالواجب من منطلق التزام شخصي من جانب عمال قطاع السكك الحديدية، وبالتالي، كان من المهم توقيع عقوبة “لفت نظر” على قائد قطار الإكسبريس الذي وصل مبكرا عن موعده بعشرين ثانية.
وهناك أيضا عامل آخر يتمثل في المنافسة بين شبكات القطار المختلفة خاصة بعد خصخصة قطار “الطلقة” عام 1987 ودخول أكثر من شركة خاصة في مجال تطوير السكك الحديدية اليابانية.
ومن جانبه يؤكد البروفيسور هارا أنه “لا تريد أي شبكة أن تتخلف عن تقدم شبكة أخرى منافسة، حتى عندما يتعلق الأمر بطلب الاعتذار، بسبب تغيير طفيف في جدول مواعيد الرحلات”.
وفي شهر يونيو الماضي، اضطرت إحدى الشركات إلى الاعتذار للركاب نظرا لأن قطارها تحرك من المحطة مبكرا عن موعده بثلاثين ثانية، وقبل هذه الواقعة كان قطار الإكسبريس قد اعتذر عن الوصول مبكرا، بالرغم من أنه في كلتا الحالتين، لم يتقدم أي راكب بشكوى نتيجة لما حدث.
ويوضح المستشار ناوكي ساتو بمعهد كيوشو للتكنولوجيا وأحد مسؤولي تشغيل قطار الإكسبريس أنه “جرت العادة في اليابان على تقديم الاعتذار في الحال، تفاديا لحدوث أي تطور في الموقف، ولكي يستمر سير الأمور دون مشاكل. الاعتذار يعد جزءا من معايير أسلوب تشغيل قطارتنا، وسوف نستمر على هذا النحو إذا حدثت في المستقبل أي وقائع مشابهة”.

20