قطاع البناء الجزائري يترنح تحت وطأة التقشف الحكومي

تبخرت تطمينات الحكومة الجزائرية حول عدم مساس سياسة التقشف بقطاع السكن، بعد تزايد الأزمات التي تعصف بقطاع البناء بسبب عجز السلطات عن سداد فواتير الشركات المحلية والأجنبية التي تقوم بتنفيذ مشروعات السكن في البلاد.
الجمعة 2017/04/28
بعد عقود من وعود الإسكان الحكومية

دخلت العشرات من ورش البنـاء في الجزائر في حالة شلل بسبب امتناع البنوك عن دفع مستحقات الشركات المتعاقدة مع الحكومة لبناء مشروعات السكن، بعد عجز الموازنة الحكومية عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه العديد من شركات البناء المحلية والأجنبية.

وقالت مصادر مطلعة لـ“العرب” إن قطاع البناء يعد أول القطاعات المتضررة من تبعات الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد، منذ بداية انهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية منذ منتصف 2014.

وأكدت أن الكثير من المشروعات السكنية مهددة بالتوقف في غضون الأشهر القادمة لشح الموارد المالية، وأن عدة شركات على حافة الإفلاس جراء عدم حصولها على مستحقاتها من الهيئات الحكومية المتعاقدة معها.

وتتبع وزارة السكن عدة هيئات تضطلع بالإشراف وتسيير مختلف الصيغ السكنية، كدوواين الترقية والتسيير العقاري ووكالات التنظيم والتسيير العقاري والوكالة الوطنية لتحسين السكن وتطويره.

وأجبرت الوضعية القائمة العديد من الشركات على تسريح البعض من عمالتها لتخفيف جزء من الأعباء المتراكمة عليها، إلى جانب عدم دفع رواتبهم والتأخر في الإيفاء بالتزاماتها لهيئتي التأمين والضرائب.

وأشارت المصادر إلى أن هذه المشكلة تنسحب على باقي القطاعات الإستراتيجية، التي تعول عليها الحكومة لضمان الاستقرار الاجتماعي، على غرار الصحة والتعليم، حيث تعاني المستشفيات الحكومية والصيدليات من ندرة العشرات من الأدوية، بسبب قرار تقليص الاستيراد.

وكان وزير السكن والعمران عبدالمجيد تبون قد صرح لوسائل إعلام محلية بأن “الحكومة مصممة على تنفيذ برنامج الرئيس بوتفليقة القاضي ببناء 3 ملايين وحدة سكنية وأن الموازنة توفر مصادر التمويل اللازمة، ولا مجال للتراجع عن وتيرة السكن رغم المعوقات”.

وذكر أن الجزائر رصدت لقطاع السكن في المخططات الخماسية الأخيرة 70 مليار دولار وأن الحكومة استدركت التأخيرات المسجلة في بعض الصيغ السكنية المسجلة منذ مطلع الألفية والمعروفة بـ“عدل 1”، وتتجه للتكفل بصيغة “عدل 2”، فضلا عن الاستمرار في صيغ السكن الإيجاري العمومي والسكن الريفي والسكن الترقوي.

وتحول ملف السكن المدعوم كليا أو جزئيا من طرف الحكومة إلى ورقة انتخابية، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث تعهدت الحكومة بتوفيرالسكن في بعض الأحياء والفئات الاجتماعية وإطلاق وعود للتكفل بالطلبات المسجلة في القريب العاجل.

وأكد تبون أنه تم التكفل بالمنتفعين بـ“عدل 1”، وسيتم قريبا توزيع أكثر من 50 ألف سكن على المنتفعين بصيغة “عدل 2”، لرفع اللبس والشكوك التي حامت حول العملية، كما أعلن والي العاصمة عن إسكان نحو 20 ألف عائلة خلال الأسابيع الجارية.

وكانت الحكومة قد أطلقت مشروعا ضخما للقضاء على العشوائيات وأحياء الصفيح في العاصمة، في إطار مخطط “عاصمة دون صفيح”، حيث تطمح لإنهاء العملية قريبا بوضع نحو 50 ألف سكن لتنفيذ المخطط، وزعت منه لحد الآن قرابة 30 ألف سكن.

لكن المعطيات التي رشحت مؤخرا عن عجز السلطات عن سداد فواتير بعض شركات البناء المحلية والأجنبية، تشكل صدمة قوية تخلط أوراق الحكومة، وتضعها أمام حقائق مرة أمام شعبها وشركائها.

ويرجح البعض أن تعصف هذه المسألة بوعود الحكومة وبصورتها التي لطالما رسمتها أمام الرأي العام المحلي والدولي، خاصة في ظل الحديث عن تدخل سفارات أجنبية من أجل تحصيل حقوق شركاتها العاملة في الجزائر.

وتحدثت المصادر لـ“العرب” عن مستحقات تقدر بنحو 1.3 مليار دولار، تطالب بها شركات بناء مصرية وتركية وصينية وأن سفراء تلك الدول تدخلوا من أجل وفاء الحكومة بمستحقات العقود المبرمة بينها وبين الهيئات الوصية المحلية.

وظل قطاع البناء خلال السنوات الماضية، أحد روافد الاقتصاد المحلي، حيث حقق نسبة نمو قدرت بنحو 7 بالمئة، واستطاع تحريك الأنشطة المتصلة به، كصناعة مواد البناء خاصة الإسمنت والحديد والنقل، إلى جانب استقطاب نحو مليون عامل.

ويقول الخبير المالي فرحات آيت علي إن كافة المشاريع السكنية مهددة بالتوقف والتجميد، وأرجع ذلك إلى أن الأرقام التي تطمح الحكومة لتحقيقها لا يمكن أن تنفذ في ظل الأزمة الخانقة، وأن الوعود أطلقت في سنوات الأريحية المالية.

وذهب المتحدث عكس تطمينات وزير السكن حول قدرة الحكومة على تسوية المستحقات العالقة للشركات المحلية أو الأجنبية، العاملة على إنجاز المشاريع السكنية في البلاد.

وقال إن “الوضع المالي للبلاد صعب بسبب الأزمة المالية وانهيار سعر الدينار، فالحكومة تدفع مستحقات الشركات الأجنبية بالعملة الصعبة، وقد تضطر لدفع تلك المستحقات بفوائد لأن أغلب هذه الشركات ممولة من طرف بنوك، وأي تأخر في الدفع تقابله فائدة معينة”.

وأضاف أن “صيغ البرامج السكنية في الجزائر مجرد وعود كاذبة ومشاريع وهمية، لعدة اعتبارات، أهمها التكلفة الباهظة لإنجاز هذه المساكن خاصة في ظل الانهيار المتواصل لسعر صرف الدينار مقابل العملات الرئيسية”.

11