قطاع الصحة يتدهور، تونس تتراجع عن ثوابتها الاستراتيجية

النصوص التشريعية في مجملها متطورة، لكنها تتعثر بسبب إلقاء كل طرف المسؤولية على الطرف المقابل، وفقدان الأدوية يهدد بكارثة حقيقية.
الجمعة 2018/05/18
أزمة مشافي القطاع العام تتفاقم

تونس - منذ ما يقل عن أسبوع، دعا ممثلو “ائتلاف المجتمع المدني للدفاع عن المرفق العمومي للصحة”، أعضاء لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بمجلس النواب التونسي، إلى التدخل العاجل واتخاذ المبادرات والقرارات اللازمة من أجل وضع برنامج استعجالي لإنقاذ القطاع الصحي، وذلك بصفة تشاركية مع مختلف مكوّنات المجتمع المدني والوزارة المعنية.

وشدد ممثلو الائتلاف، خلال جلسة انعقدت بالبرلمان، على ضرورة المحافظة على المرفق العمومي للصحة الذي يمثل “مكسبا تاريخيا واجتماعيا لتونس”، لافتين إلى أن الحق في الصحة لكل مواطن هو حق دستوري لا يقل درجة عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

كان رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، جمال مسلم، الذي ترأس الوفد، قد أكد في مداخلته على حدة أزمة الصحة في القطاع العام في غياب إجراءات عاجلة لإنقاذه وخطة واضحة للإصلاح بما “سينجر عنه المزيد من الانعكاسات السلبية على صحة المواطن وعلى وضعه الاجتماعي والمالي” كما قال رئيس الرابطة.

وتتمثل المشاكل الرئيسية لقطاع الصحة العام في تونس في تقادم البنى التحتية والتجهيزات والفساد، وعزوف الأطباء المختصين عن العمل بالمناطق الداخلية، وافتقار مستشفيات تلك المناطق إلى معدّات طبية حديثة.

ورغم أن تونس قد جعلت القطاع الصحي في أول سلم أولوياتها منذ دولة الاستقلال عام 1956 وفي دستورها القديم والمنقح، إلا أن الوضع في حالة مزرية كما يؤكد المسؤولون والمواطنون على حد سواء. وفي هذا المجال، قالت المديرة في وزارة الصحة كوثر الهذلي، “هناك خدمات نفتخر بها وأخرى تستوجب عناية خاصة”، مقرّة بوجود “إخلالات كبيرة” في حوكمة المرافق الصحية العامة.

أزمة تشعبت إلى درجة أن كل طرف يلقي بالمسؤولية على الآخر، حتى أن المواطن صار أيضا يتحمل مسؤولية فيها

وأفادت بأن ارتفاع مديونية المستشفيات والتي بلغت العام الماضي ما يعادل 500 مليون دينار (نحو 207 ملايين دولار) يعيق السير الجيد لمنظومة الصحة العمومية.

وعند الحديث عن الخصخصة في القطاع الصحي تتعالى أصوات نقابية بأن الأمر “خط أحمر”. وفي المقابل، يرى خبراء اقتصاديون بينهم معز الجودي، أنه من العبث مواصلة ترميم العجز المالي لمؤسسات حكومية كالمستشفيات استنزفت، ويمكن أن يعود تخصيصها بمنافع كبيرة للخزينة العامة وتتحسن فيها الخدمات الصحية.

وقال الجودي إن خطة الحكومة لتخصيص المؤسسات الحكومية المفلسة يجب أن تحظى بالدعم، معتبرا أن القطاع الخاص وحده القادر حاليا على ضخ دماء جديدة في المؤسسات المترهلة.

وتنتقد وسائل إعلامية باستمرار تردي الخدمات وتقادم البنى التحتية ونقص التجهيزات في المستشفيات العمومية خصوصا عند تسجيل وفيات لمرضى أو مواليد جدد أو أمهات حوامل أثناء عمليات التوليد.

من جهتها اعتبرت المديرة العامة للصحة نبيهة فلفول أن هذا “الوصم (…) مبالغ فيه جدا”. وأقرت بأن بعض المستشفيات قديمة وتحتاج تجديدا، لكنها شددت في المقابل على الظروف الصعبة التي تعمل فيها الأطقم الطبية.

وذكرت أن هناك ضغطا كبيرا جدا على المستشفيات، وأن موظفيها يعملون فوق إمكانياتهم، معتبرة انتقادات وسائل الإعلام “مدمّرة”.

وتقول السلطات إن ارتفاع معدل توقع الحياة عند الولادة من 66 عاما إلى 74 خلال السنوات العشر الأخيرة يؤشر على تحسن الرعاية الصحية في البلاد.

وندد مسؤول في مستشفى طلب عدم نشر اسمه بما أسماها “حملات شيطنة” للمستشفيات من قبل المصحات الخاصة التي تطوّر عددها بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

وتشهد هذه المصحات إقبالا من الطبقة الميسورة ومن مواطني ليبيا المجاورة.

أطلق المسؤولون في الصيدلية المركزية (الموزع الرسمي الوحيد للأدوية على القطاعين العام والخاص) صيحة فزع للتنبيه إلى تراجع مخزون الأدوية.

هذه الأزمة الخانقة بدأت فعليا منذ سنة 2016، بسبب تهريبها إلى ليبيا من جهة، وصعوبة استيراد بعض أنواع الأدوية من جهة أخرى، وذلك لعدم القدرة على تسديد مستحقات المصانع والمخابر الأجنبية، إلا أنها تفاقمت لتصل إلى “مرحلة الخطر”، حسبما أكده بيان نقابة موظفي الصيدلية المركزية.

ويبدو أن إقالة الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية، الشهر الماضي، لم تحل المشكلة وازدادت الأمور تفاقما مع الأزمة المالية التي يعاني “الصندوق الوطني للتأمين على المرض” بدوره منها، بسبب غياب السيولة نتيجة لتأخر تحويل الصناديق الاجتماعية لاشتراكات مشتركيها.

تقادم البنى التحتية ونقص التجهيزات
تقادم البنى التحتية ونقص التجهيزات

أزمة الصيدلية المركزية يرجعها الموظفون فيها إلى عدم الحصول على مستحقاتها من صندوق التأمين على المرض. وقد وصلت ديون هذه المؤسسة العمومية التي تحتكر رسميا توزيع الأدوية إلى ما يعادل الـ400 مليون دولار.

وأكد أمين عام نقابة الصيدلية المركزية سفيان الدلاجي، أن المخزون الموجود حاليا من الأدوية لا يكفي إلاّ لمدة أسابيع مع فقدان أنواع من الأدوية الأساسية المستعملة خاصة في غرف العمليات.

وقال مصطفى العروسي، أمين عام نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة، إن أزمة الأدوية موجودة منذ فترة إلا أنها لأول مرة تصل إلى هذه المرحلة الحرجة، إذ تم فقدان بين 60 و100 نوع من الأدوية تتراوح من أدوية الأمراض البسيطة وصولا إلى أدوية السرطان والصرع والأدوية الحيوية.

وأنشئت في تونس “خليّة أزمة” لمراقبة مخزون تلك الأدوية والعرض المتوفر في الصيدليات بصورة يومية، بالإضافة إلى العمل على تفادي أيّ نقص محتمل في نوع معيّن.

وتتكون السوق الدوائية في تونس من قطاعين: الأول يتولى تزويد المستشفيات بالأدوية، ويتولى الصدارة من حيث حجم الإنتاج، أما قطاع أدوية الصيدليات الخاصة فتوفر فيه الصناعة المحلية 70 بالمئة من الكميات الموزعة ويقتصر اختصاص الصيدلية المركزية على توزيع المواد المستوردة لشركات توزيع الأدوية بالجملة.

مشاكل بالجملة تطال القطاع الصحي في تونس، وتحاول الحكومة أن تتصدى لها بحزمة من الإجراءات اتخذتها على المدى المستعجل القريب وعلى المدى الإصلاحي البعيد، لكن هنالك عوائق مستعصية تتمثل في الجدل الحقوقي والنقابي بين الحكومة والأطراف المعنية.

وينتقد الإعلام التونسي الحكومة منبها إلى أن النصوص التشريعية التي تخص القطاع الصحي في مجملها متطورة، لكنها تتعثر لأسباب عديدة، وعادة ما يلقي كل طرف المسؤولية على الطرف المقابل.

من جملة العوائق القانونية في القطاع الصحي التونسي، أن نقابة الأطباء اعترضت وتحفظت على بنود من قانون حماية المعطيات الشخصية من جهة الحق في النفاذ إلى المعلومة. وهذا الأمر له صلة بقانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية، وهذه المرّة الأولى في تونس التي يُصار فيها إلى تقنين حقوق المرضى، لجهة حقهم في الإعلام والموافقة المستنيرة وحق المريض في الحصول على التعويضات التي تتلاءم وملفه الطبي عند الاقتضاء، وحقه في الحصول على خدمات صحية تكون في أفضل الظروف إلى جانب حماية المعطيات الشخصية الخاصة به وإمكانية نفاذه إلى ملفه الطبي بطلب منه.

العلاقة بين المرضى والأطباء في تونس شهدت حالة من التوتر خلال السنوات الأخيرة، بعدما خرجت قضية الأخطاء الطبية من العتمة وتنبّه التونسيون بفضل مناخ الحرية إلى حقوق مسلوبة كان مسكوتا عنها. وكانت موجة اتهامات قد وجّهت إلى الأطباء ووصلت إلى حدّ الاعتداء عليهم، بل ووصل الأمر إلى توقيف أطباء وسجنهم لأشهر في انتظار التحقيقات، وهو ما أدّى إلى إضرابات واحتجاجات في القطاع الطبي.

كل هذه الأمور دفعت إلى المزيد من الغموض والتوتر في العلاقة بين الطرفين، الأمر الذي استوجب محاولة للبحث عن إطار يحدّ من التشنج ويضفي الشفافية على أوضاع تتكرر مرات ومرات يوميا في المستشفيات والعيادات وفي كل مكان.

الخلاصة أن أزمة القطاع الصحي في تونس متعددة الأبعاد وتشعبت إلى درجة أنها تمس جميع الجهات، وكل طرف يلقي بالمسؤولية على الآخر، إلى درجة أن المواطن صار أيضا يُحمّل مسؤولية فيها، وهو ما يثير نوعا من السخرية السوداء، إذ ظهر على شاشة إحدى القنوات الخاصة، طبيب يتكلم بطريقة اعتبرت مهينة للمرضى الفقراء.

ويقول حقوقيون في تونس بأنه كان من الأجدر أن تتبنى الدولة التونسية وتعمل على منوال التجربة الفرنسية الرائدة في العالم على مستوى الضمان الصحي، بدل من تقليدها في أمور لا تخص المجتمع.

وكثر الحديث في الفترة الأخير عن “هجرة الكفاءات التونسية”، وناقش متحدثون على المنابر كيف أن أطباء كثيرين بدأوا يهاجرون إلى بلدان أخرى مما يهدد بأزمة أخرى تضاف إلى أزمات القطاع الصحي المتفاقمة.

13