"قطب" نهج جديد للإعلام المصري في مواجهة الأفكار المغلوطة

أرشيف سيد قطب في الصحافة يدين صاحبه ويكذب ادعاءات جماعة الإخوان.
الجمعة 2020/01/24
الفيلم اعتمد على شهادات أشخاص عاصروا قطب

يتصدى الفيلم الوثائقي “قطب” لفترة تاريخية من تنظيم الإخوان المسلمين لم تنل الاهتمام الكافي من وسائل الإعلام المصرية، ما جعل إعلام الإخوان يستفيض في رسم صور مغلوطة وتغيير الحقائق، وهو ما يحاول الفيلم إظهاره بشهادات ووثائق تستند بشكل خاص إلى أرشيف سيد قطب في الصحافة المصرية.

القاهرة - تبنت قنوات فضائية مصرية نهجا جديدا في مواجهة الأفكار المغلوطة والمتشددة التي طالما روجت لها جماعة الإخوان المسلمين. وجاء الفيلم التسجيلي “قطب”، الذي يتناول مراحل من حياة المنظر الإخواني سيد قطب عبر كتاباته في الصحف المصرية وحتى إعدامه عام 1966، ليعيد تشكيل آلية المجابهة الفعالة للتطرف، ويجذب المشاهد بعمل فني مصنوع بحرفية.

ويكتسب فيلم “قطب” الذي أنتجته مؤخرا وحدة الأفلام التسجيلية بفضائية “دي.أم.سي” المصرية، أهميته باعتباره أول فيلم تسجيلي يوثق سيرة قطب الذي وضع وطور الفكر التكفيري في العالم العربي. ويكشف للمرة الأولى تفاصيل قضية تنظيم 1965 الإرهابي، مع الاستعانة بشهود عيان، وممثلين مشابهين لأعضاء التنظيم بمن فيهم سيد قطب نفسه، ليعرض للجمهور العام على جزئين؛ مدة كل منهما ساعتان.

الفيلم كتبه وأعده أحمد الدريني مدير وحدة الأفلام الوثائقية بـ”دي.أم.سي” وأخرجه شريف سعيد، وقام بأداء دور سيد قطب الممثل الصاعد وائل علي. وقدم لأول مرة تفاصيل تحقيقات المباحث الجنائية ونيابة أمن الدولة العليا في القضية التي حكم فيها بالإعدام على سيد قطب، واثنين من أعضاء التنظيم في 16 أغسطس عام 1966.

وفي ظل سياقات سياسية معقدة تلت محاكمة سيد قطب، لم تطرح وسائل الإعلام تفاصيل قضية التنظيم الإرهابي على الرأي العام، ما دفع الإخوان إلى سرد الأحداث وفق رؤيتهم ومصالحهم.

وساهم ضعف التغطية الإخبارية لهذه الأحداث في تلك الفترة في إفساح المجال  لتنظيم الإخوان للزعم بأن نظام عبدالناصر شنق سيد قطب بسبب أفكاره وكتاباته، ثم اختلقوا حكايات أسطورية عن شجاعته وكلماته الأخيرة ورفضه تقديم طلب عفو عام، قبل أن يسموه شهيدا، مع التجاهل التام لما اقترفه من خطط لاغتيال شخصيات عامة، فضلا عن الأسلحة والمتفجرات المضبوطة بحوزته، واعترافات أعضاء التنظيم أنفسهم باستهداف رجال الدولة والمنشآت العامة. أما الأدهى فكريا فيتمثل في التأطير الفكري للإرهاب الذي صنعه سيد قطب في مؤلفات عديدة من أبرزها كتابه “معالم في الطريق”.

ضعف التغطية الإخبارية للأحداث المتعلقة بالإخوان في فترة الستينات أفسح المجال لهم لاختلاق حكايات أسطورية

وقال أحمد الدريني كاتب الفيلم لـ”العرب” إنه اعتمد على أربعة روافد أساسية لتقديم صورة حقيقية لسيد قطب بعيدا عن المبالغات، موضحا أن أكثر ما دفعه إلى ذلك هو تلك النظرة المغلوطة لدى بعض المثقفين بأن الرجل أعدم بسبب أفكاره.

ويهدف صانعو الفيلم إلى توعية الجمهور بقضية التنظيم الإرهابي الذي أسسه قطب منتصف الستينات، في ظل قلة عدد المتخصصين في دراسات الإسلام السياسي الذين على دراية بتفاصيل ما حدث، خاصة أن الفيلم يعتبر أقوى تأثيرا من الكتب، وأفضل في الوصول إلى الجمهور من مقالات الصحف.

وكان الرافد الأول لمادة الفيلم هو أرشيف سيد قطب في الصحافة المصرية بدءا من مقالاته في بريد الأهرام عام 1926، ومرورا بمقالاته في الصحف والمجلات ثم أخباره حتى إعدامه سنة 1966.

أما الرافد الثاني، فكان تحقيقات قضية التنظيم، بدءا من تحقيقات المباحث الجنائية والعسكرية ونيابة أمن الدولة العليا، وهي تحقيقات على درجة مهمة من الدقة وصل عدد أوراقها إلى 24 ألف ورقة ولم تنشر من قبل.

ثم تضمن الرافد الثالث مذكرات أعضاء تنظيم 1965 الذين أفلتوا من الإعدام، وهم علي عشماوي القائد الميداني للتنظيم، وأحمد عبدالمجيد مدير مخابرات التنظيم، فضلا عن مذكرات سيد قطب نفسها المعنونة “لماذا أعدموني؟”، والتي نشرت في التسعينات، ولم يشكك أي من أفراد أسرة قطب أنفسهم في نسبتها إليه.

وفي الرافد الرابع كان شهود الحكاية، ومن بينهم شهود عيان مازالوا على قيد الحياة ورووا تفاصيل جديدة حول التنظيم.

ولفت الدريني إلى أنه تمت مضاهاة شهادات أعضاء التنظيم في مذكراتهم بنصوص التحقيقات التي أجرتها النيابة لتثبت دقة وصحة تلك التحقيقات التي شارك فيها تسعة من وكلاء النيابة أصحاب الكفاءة، واختير من بينهم ثلاثة ممثلين للادعاء هم المستشار سمير ناجي، ومحمد وجيه قناوي، ومحمد فؤاد نصار. وكان من المثير أنهم أجروا مواجهات بين أعضاء التنظيم، وهو ما سعى الفيلم إلى تصويره وتقديمه لمحو الأكذوبة المرددة من جماعة الإخوان بوجود شبهات تلفيق في القضية.

واعتمد الفيلم على شهود حقيقيين مثل اللواء فؤاد علام، لا بكونه خبيرا أمنيا كما يحدث في معظم إطلالاته على الشاشات، لكن باعتباره شاهد عيان، التقى بسيد قطب ثلاث مرات، وكان آخر من اصطحبه إلى غرفة الإعدام، وهو هنا يحكي تفاصيل ذلك للمرة الأولى.

 كما اعتمد الفيلم على مشاهد تمثيلية “دوكيو دراما” حرص فيها مخرج الفيلم على توزيعها بين الشهادات الحية لتقريب الأحداث للمشاهد.

وقد تم اختبار مجموعات كبيرة من الراغبين في التمثيل لاختيار أشخاص قريبي الشكل والأداء والصوت من أعضاء التنظيم الحقيقيين، لذا فإن اختيار الممثل الصاعد وائل علي لأداء دور سيد قطب، راعى قرب الشبه وقدرته على فهم الشخصية والإلمام بكافة تفاصيلها بصورة مثلى.

العمل يهدف إلى توعية الجمهور بقضية التنظيم الإرهابي الذي أسسه قطب منتصف الستينات، خاصة أن الفيلم يعتبر أقوى تأثيرا من الكتب، وأفضل في الوصول إلى الجمهور

وإذا كانت وحدة الأفلام الوثائقية بقناة “دي.أم.سي” سبق وقدمت أفلاما وثائقية متنوعة حول الثقافة والتاريخ المصريين مثل فيلم عن مئوية ثورة 1919، وآخر عن حرب أكتوبر عام 1973، إلا أنها المرة الأولى التي تستهدف فيها كشف واحد من منظري الإخوان الرواد بمثل هذا العمق والوضوح، ما يجعلها بمثابة منصة مقاومة مناسبة لفضح رموز التطرف والإرهاب.

وقال الباحث السياسي جمال رشدي لـ”العرب” إن إطلاق أفلام تسجيلية لكشف وفضح رموز الإرهاب وسيلة أقوى للتأثير في الجمهور العام، خاصة في ظل ضعف التجاوب العام مع الكتب والصحف. ويشير رشدي إلى أن أهمية الأعمال الفنية أنها تصل أسرع إلى الجمهور العادي، وتترك آثارا أقوى في الذاكرة.

ورأى رشدي أن تبديد الصورة الذهنية المغلوطة لرموز جماعة الإخوان وفضح حقيقة مواقفهم من الدولة والمجتمع والحرية، أمر ضروري وحتمي في ظل المواجهة المجتمعية مع الإرهاب.

واعتبر خبراء أن الفيلم التسجيلي هو أداة مثالية لمواجهة الفكر الراديكالي لاسيما مع قوة تأثيره. ويظهر الفيلم الوثائقي أكثر مصداقية وهيمنة مقارنة بالأفلام السينمائية لأنه يشبه التقرير الصحافي ويعتمد على تقديم المعلومة مسندة ومصحوبة بأدلة كما حدث مع تناول شخصية معقدة مثل سيد قطب.

وهو ما يفرض على القنوات المصرية المزيد من تلك النوعية من الأفلام كطريق صحيح في المواجهة الفعالة، والأهم تصحيح مسار تلك القنوات بتقديم أعمال فريدة ومميزة تعيد المشاهد المصري إلى الشاشة الفضية.

18