قطة تعزف على مائدة الدرويش

السبت 2016/05/21

موقعُ الحانة بنهاية المنحدر، جعل بابها مكبّا سهلا للنفايات. هذا لا يعني بالضرورة أنّ مكان الضجيج كان سيّئا. علبة جعة معمولة من الألمنيوم تعزف على سفح المنخفض، وحيث تصل باب الحانة، ستجد قطة الزقاق العرجاء، ناطرة كأنها ببيت بخيلٍ لا ينام.

ليست ثمة نغمة تنساب على عقل المنظر. الساعةُ قفزت فوق منتصف الليلة بساعتين. رجلٌ ضخمٌ ملفوفٌ بجاكيت أسود يغطي أذنيه، ومع هبوب الريح الصافرة، يتحول خدّاه إلى مصفعة مضحكة.

لا أحد في الشارع يكسر رتابة المشهد، لكنّ الكائن الضخم لم يفقد الأمل بعد، بانتظار هبوط زبون بطران من أخير الليل، به رغبة مجنونة لتلميع حذائه. عليَّ اللحظة المملة أن ألعبَ لعبة تفزيز أثاث الذاكرة العتيق، كي أدفع فاتورة الكأس الأخيرة. أول منبوشات الرأس كانت صورة سالم الحلو، ملمّع الأحذية النابت بباب حانة عشتار ببغداد. أنا أدركتُ الشاب لكن لم أعثر على بقايا وسامة منطفئة على وجه سالم، لذلك ظلّ رأسي حائرا بين هذا الوجه الأصفر الميت، وبين لقبه المحبب الذي عُرفَ به من قبل زبائن البار القديم. كان يدور على موائد الحانة المدخنة، وهو يلفّ وسطَهُ بقماشٍ ملطخ بالأسود والأبيض والبني المنطفئ، ويحمل بيمينه نعلا مصنوعا من النايلون القاسي الرخيص. سالم الشاطر لا يملُّ من التحديق بوجوه جلاس الحانة، وحيث تأتيه تلويحة رزقٍ طيبةٍ منبعثة من إحدى الموائد السهرانة، فإنه سيقوم بحركته الخفيفة التي يهبط بها تحت الطاولة، ليأخذ الحذاء المنتظر، ثم يترك النعل تحت قدمي زبونه المريح.

بويَجي الزقاق المحتضر الليلة، ليس شاطرا مثل سالم البغدادي الغائب. هو يكتفي فقط برشّ نظراته الكسولة فوق أحذية المارّة الشحيحين، وحيث يموت الأمل بقنص زبونٍ تائه، يدس الرجل التعيس يده الثقيلة، ببطن جارور الصندوق الخشبي المرصّع بمسامير لامعة، ليخرجَ سيجارة أخيرة من مصطبة الاحتياط.

لم يبقَ من أثاث الحانة سوايَ، وامرأة جميلة تلبطُ على أول الخمسين، تشاكسُ حافة الكأس بشفتيها المنفوختين تارة، وتمصُّ رأس أنبوب الأرجيلة تارة أُخرى، مانحة صحن الفحم، فرصة ممكنة كي ينهض من تحت الرماد.

أحببتُ منظر الستّ الخمسينية المدهشة، وودتُ أن أتلو عليها وشلَ قصيدة مهيّجةٍ تركلُ مخّي الآن، لكنني صحوتُ على صوت النادل الرحيم هاني البحيري، وهو يهزّ كتفيَّ مثل أُمٍّ لا تريد لوليدها الغضّ أن يموت بحفرة حربٍ بعيدة.

24