قطرة جنون

الأربعاء 2014/05/28

كيف تطالبني بلحظة جنون عابرة، في خضم انشغالكَ، أنا التي كنت منذ طفولتي قد نذرت روحي لجنون مزمن لا أفيق منه إلا، ربما، على لحظة انشغال عابرة؟ تشاكسني رجولتك.. يشدني هدوء ملامحكَ ونظرتك الدافئة.. تسحرني عباراتك الهامسة التي تطلقها عنوة وبثقة واقتضاب كمن يحسم قرارا لا لُبس فيه ولا تراجع.. لكن صمتك هو ما يربكني أكثر.. ويسقطني فاغرة البال أمام انشداهي.

فهل يشدك إليّ اضطرامي وخبلي وفراغي، إذ أنت واقع تحت تأثير مخدر الانشغال؟ هل يشدك إلي شريط شَعر طفولتي.. إذ أقنعَتْـكَ السنوات بأنك قد تساميتَ على طائرات الورق ولعب الأطفال؟ هل يكفيكَ ألا ترى سوى ما يحلو لك.. وساعة تشاء.. ولحظة يسنح الفراغ؟

وهل تجد في الحب دارَ استراحة على طريقِ سفرٍ لن تتوقفَ عنده إلا قليلا.. لتواصل السير سريعا دون التفات أو دون أثر من ذكرى؟

يا سيدي.. يا من تغريك البدايات ويكبـلك الخوف.. وتقف على أعتاب حب كبير وأنت تدثّر لهفتكَ بالتلفت والحيطة والحذر.. أعتذر جدا: لست أنا!.. لست كما تريد أن تراني.. ربما لست كما أبدو لك.. أو أنني لست بعد بحجم تمنيك..

من الممكن جدا أن أقتنع بأن الجليد قابلٌ للاشتعال.. ولكن ذلك لن يكون إلا بشروط عشقية دامغة.. وليس فجأة ودون أية مقدمات!

فإن كان يكفيك التفرج وانتظار المعجزات.. أو القبول بالصدف.. فإن ذلك لن يكفيني بحال.. ولن أصدق أنها نفسي.. أو الأنثى الجامحة في.. تلك التي تهادنك وتجاريك بصيغة الصمت ذاتها..

لست من الصموتين سيدي ولن أكون.. وإذا كنتَ تعتقدُ جازما بأن الصمت من ذهب.. فأنا شغوفة بفضة الكلمات وفيروز المعاني.. ولست ممّن يعتاشون على المصادفات أو اقتناص اللحظات العابرات.. لست قنوعة مثلك برذاذ الحلم أو فـُتات المشاعر أو بخيوط من أطراف ثوب اللهفة. أما سماء طموحي.. فوحدها أمر آخر يطول فيه الشرح ويتشعب الإيضاح.

لي في الحب طقوسي وصلاتي وعبادتي.. لي صفاء روحي وعقلي وارتعاشة جسدي.. لديّ “امتعتي” التي أعدها قشةً قشة فأحزمها صوب سفر يطول إذ أكون لديك.

تراني مشغولة ساعات طوالا وأنا أفكـر: كيف لي أن أُفرشَ أسنان أصابعي قبلَ أن تفكر أصابعكَ بتقبلها لحظة تصافحني!.. وأن أمشط أوردتي قبل أن تمسدها شرايينك.. وأن أغسلَ مساحيقَ روحي قبل أن يمسّها برقٌ من وحي روحك.. وكيف لي أن أتوضّأ بماء سَـكينتي قبل أن أصلي راهبة في محراب العشق.

لديّ في زاوية أخرى ركامٌ من المرارة أكنسها عن عتبة بابي قبل أن أفكر بمغادرتها إليك.. وأكداسٌ من الجروح أبدّلُ ضماداتها لئلا تعكر أديم اللقاء.. وتستفزني ساعات العالم كلها.. فأتحيّر كيف لي أن ألغيها خشية أن يصفعنا الوقت ويذكرنا بأننا في زمنٍ غير الزمن!

لديّ تواريخ ورسائل وأرقام ووجوه وأمكنة وأشرعة يكون عليّ أن أحرقها عن بكرة أبيها بكبريت النسيان لئلا تفوح من جسدي سوى رائحة توقي إليك.

لدي من الحروب ما يكفي لإطفاء مدينة من العشق.. سيكون عليّ أن أنسف وجودها تماما فأعود بكرا من كل ألم.. وبيضاء إلا منك. أمازلتَ بعد ذلك كله تفكرُ أن نرطبَ سنوات القحط.. بقطرة جنون عابرة؟

21