قطرة دم الفرد موزعة في الملايين

توق المرأة العربية إلى الحرية جعل خطابها النقدي أسبق على الأدبي.
الأحد 2019/09/15
لوحة جبران هداية

لم تبدأ النساء في الثقافة العربية التعبير عن أنفسهن في الكتابة بمعزل عن التفكير بطبيعة المجتمع الذي ينتمين إليه، ومنظومة الأفكار السائدة حول العلاقة بين الرجل والمرأة، وحدود الممكن. فمنذ بدايات الكتابة النسوية والتعبير النسوي عن أشواق المرأة الشرقية وتطلعاتها برزت أوجه المقارنة بين المرأة الشرقية والمرأة الغربية، في محاولات جادة ومسؤولة لاستجلاء مساحة الحركة واستكشاف الإمكانات المتاحة، وقد برزت الأصوات والتجارب والحركات المبكّرة في هذا السياق التاريخي لتعبّر بالفكر أولا، قبل التعبير بالأدب. بل إن التعبير الأدبي كان في جوهره تعبيرا فكريا ومساءلات فكرية قبل أن يكون جمالياً صرفاً. ولاعتبارات شتى فإن النساء اللواتي يمكن وصفهن برائدات الكتابة والتفكير في الثقافة العربية، وخصوصا في مصر والشام، على المنقلب بين القرنين التاسع عشر والعشرين، خرجن من صفوف البرجوازية الوليدة والفئات المقتدرة في المجتمع وعبّرن عن مسألتين أساسيتين ظلتا متلازمتين، نهضة المجتمع للحاق بالتطور ونموذجه التطور الغربي، وتحرير المرأة الشرقية من القيود التي رفلت فيها لقرون، وقد تميزت دعوة المرأة للتحرر عبر الخطابين الفكري والأدبي بنضج مبكّر عندما اعتبرت جل النساء المثقفات أن موضوع التحرر لا يخص المرأة وحدها، ولكنه يخص العلاقة بينها وبين الرجل، فالرجل نفسه ليس حراً، وبالتالي لا سبيل للمرأة إلى الحرية دون أن يبادر الرجل إلى تحرير ذهنيته عن نفسه وعن المرأة. وبالتالي إعادة بناء العلاقة بينهما على أسس فكرية وحقوقية جديدة.

وهكذا، فإن تاريخ الانخراط النسوي في الثقافة العربية يقودنا إلى حقيقة أن الفكر أسبق على الأدب في مغامرة المرأة العربية مع الكتابة.

***

أترك افتتاحية هذا العدد لصوت من بين الأصوات النسوية الرائدة في الثقافة العربية، عفيفة صعب كاتبة وصحافية وتربوية لبنانية من جيل النساء اللواتي أسّسن في مطالع القرن الماضي صحافة نسائية انتشرت في بلاد الشام، وتعتبر الى جانب ماري عجمي صاحبة مجلة “العروس” ونظيرة زين الدين مؤلفة كتاب “السفور والحجاب” وأخريات بارزات في ميدان الكتابة، رائدات الدعوة الى انخراط المرأة بشكل واسع في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلاد الشام.

اشتهرت عفيفة صعب من خلال مجلتها “الخدر” التي صدرت خلال الربع الأول من القرن العشرين، ولعبت دوراً بارزاً في دعوة النساء إلى المشاركة في إبداء الرأي حول حقوق المرأة وحريتها، والنهضة الاجتماعية، والحريات الفردية والجماعية والتغيير في العالم العربي.

القطوف التي اخترتها هنا في مقام افتتاحية “الجديد” (ظهرت يوم الثلاثاء 25 آب (اغسطس) من العام 1925 في أسبوعية “الميزان” التي أصدرها بدمشق لعامين على التوالي الناقد أحمد شاكر الكرمي، وقد احتلت المقالة الصفحة الأولى من الأسبوعية المذكورة، أي موضع الافتتاحية التي كان الكرمي يكتبها. وقد نقلها الكرمي عن أحد أعداد مجلة “الخدر” الصادرة في شهر تموز من العام نفسه.

في هذه المقالة نقع على قلم نسائي جريء وواضح الفكر، يدعو الى الأخذ بأسباب المدنية من دون أن يعني ذلك، قطعاً، قمع ثقافة الناس، ويدعو إلى مساواة المرأة بالرجل، وإلى علاقات متوازنة في الأسرة وفي المجتمع كمدخل حقيقي للأخذ بسنن التطور.

والكاتبة تفرّق في بحثها في فكرة القيود بين مسألتي المدنية والتطور العلمي، وبين الأخلاق. فهي ترى أنه قضى للعقل بالإطلاق وقضي على النفس بقيود، لأن النفس، كما كانت ترى، في برهة من الزمن لا تزال غير أهل للانعتاق منها، مستشهدة على ذلك بتلك الافكار القديمة التي ما برحت تصوغ نظام الأخلاق أو تحض على علاقات مجتمعية، وبين الأفراد، ذات سموّ روحي. تقتطف عفيفة صعب من كونفوشيوس مقولته “ما لا تريد أن يفعل الناس بك، لا تفعله بهم”، وتتساءل هل تقدمت الأخلاق العامة نحو هذه القاعدة خطوة واحدة خلال أربعة وعشرين قرناً؟

هذه المقالة من المقالات والكتابات اللافتة التي تناولت مسألة الحرية، وساهمت في بلورة السؤال المبكّر حول النهضة في بلاد الشام والعالم العربي، وهي صادرة عن صوت نسائي نقدي، وفكر متّقد لكاتبة انخرطت مع عدد من الأقلام النسائية الشامية في مواجهة القوى والمؤسسات والأفكار المهيمنة التي تقيّد حريات الجموع والأفراد وخصوصا المرأة.

إن استدعاء صوت عفيفة صعب من بين الأصوات النسائية الأخرى البارزة في عصرها كنظيرة زين الدين وماري عجمي، هو أولا لكونها أقل حظاً من زميلتيها في التناول التأريخي والنقدي لأدوار النساء الشاميات في حركة الأفكار والكفاح النسوي لأجل حرية المرأة، وثانيا لأنها كانت صاحبة مشروع منبر صحافي حضّ النساء على الكتابة والتفكير والتمرد، وثالثاً، وهو الأهم، لما تتميز به هذه المقالة من شجاعة أدبية ووضوح في الطلب وموضوعية في تقليب الفكر في مسألة فكرية إشكالية، وسلاسة لغوية، فضلا عن مركزية الموضوعة التي تتناولها: الحرية.

أخيرا، المقالة التي استلّت منها هذه القطوف نشرت في كل من “الخدر” و”الميزان” تحت عنوان “الحرية”.

لوحة مايسة محمد
لوحة مايسة محمد

1

أتغضبك القيود؟ أيمضّك عض الأغلال؟ أيستثير نقمتك صليل السلاسل، أيغريك الخيال البعيد -الماثل لك حرية- هي في عرفك إطلاق يخولك فعل ما تشاء، حين تشاء، كما تشاء؟ تقول: أجل وإلا فما معنى حرية ينادي بها صوت الجيل قاطبة؟ وما معنى احتفالات نقيمها لذكر الثورات المكتسحة التي انقضت على مشيدات الظلم والاستبداد فغادرتها ردوماً؟ وما معنى الارتقاء الذي يدعيه العصر ويدوّي نفيره في اقطار المعمور؟

أجل حركة الفكر دليل حياته وسبيل ارتفاعه. واحتجاجه على الأنظمة والقوانين نافع في كلتا حالتيه: النجاح والفشل. فالنجاح غلبة الفكر الحصيف الذي شام نجم الحقيقة خلال سحب الضلال فجلاّها عنه. والفشل غلبة نظام صالح أكسبه الاحتجاج والتمحيص ثباتاً. وشعب يجعل الحرية بين أهدافه العليا التي يتطلع إليها، شعب حيّ مرجوّ العائدة. والقوى النامية المشتدة لا بد من إطلاقها للانتفاع بها، أو هجعت وتضاءلت وفات موسمها الخصيب.

لكنّ هناك قيوداً لا بد منها، زالت هذه القيود الحاضرة بعد حين، أم بقيت وصمدت للمهاجمين. لا بد منها فهي إن قدّت واطّرحت حلّ محلّها سواها. ولن يكون الاجتماع طليقاً.

2

هنالك اصطلاحات اتفقت عليها بضعة من أقلام العصر وعدد كبير من ألسنته تقرأها وتسمعها كثيراً: النظم الجائرة. التقاليد الرثة. الاعتقادات الواهية. سخافات العصور الخالية… ترقب أيها القارئُ هذه العبارات تجدها حيث طلبتها. غير أن النظم الجائرة ستزول، والتقاليد الرثة سيكتمل بلاها، والاعتقادات الواهية ستتهدم وتنسحق، والسخافات الباردة لن تحفظ قوامها أمام شمس الفكر.

ولكن لن يتم على هذه ما قدرته لها النواميس حتى تلد بنيها وبناتها يخلّفونها بشكل جديد وصيغة جديدة ومادة جديدة، ولكنها في المصدر واحد، قيود فالإنسانية الطليقة أفرادها، المباح للإرادات تنفيذ ما يوحي إليها. هواها وعارضات أيامها -كما يتمناه بعض المحررين- ليست بالإنسانية التي يريدون هم أنفسهم الانتساب إليها والعيش فيها. ولو تم لهم أن صاغوها على المثال القائم في خيالهم، وحققوا في ترتيبها أحلامهم، لأنكروها وتبرّأوا منها. وأي لا نظام يكون نظاماً؟

ولئن شهدنا في مدنية اليوم مجالي الارتفاع العقلي ونادينا بحرية العقل يبتدع ما يشاء وينطلق في مجاهل الاكتشاف بكل ما أوتي جناحاه من قوة، فليس هذا قاضياً حتماً بإجراء الحكم على الأخلاق. فبين المدنية العقلية والمدنية الأخلاقية شوط أبعد بينهما التناسب، فقضى للعقل بالإطلاق، وقضى على النفس بقيود لا تزال هي غير أهل للانعتاق منها. إنك ترى جلياً مبدعات الفكر واطّراد ارتقائه. ولكن منذ أربعمئة وألفي عام قال كونفوشيوس الحكيم آية الحياة الذهبية “ما لا تريد أن يفعل الناس بك لا تفعله بهم”. فهل تقدمت الأخلاق العامة نحو هذه القاعدة خطوة واحدة خلال أربعة وعشرين قرناً؟

3

لم توجد القيود عبثاً فهي نتائج تطور اجتماعي تطاولت عليه العصور وبلاه الاختبار، ولئن قيل لك إن قطرة دم الفرد موزعة في الملايين من إخوانه البشر من ملايين السنين، وإنه ليس عبثاً ولا بدعاً أن تجد الأجيال السحيقة في البعد ممتزجة في هذا الجيل الذي أنت منه، فقس على هذا القول أن اثر المحرقة التي قدمها الوثني الساذج للإله الشمس ماثل بعد ألوف الأعوام في بخور الكنائس وضحايا عرفات في كل عام من القرن العشرين. وقس عليه أيضاً العادات والأزياء والتحيات والطقوس والأساليب، وكثيراً مما نألفه الآن، ولكنك لا تدري أنّى أتاك ولماذا ترتبط به على شكله دون سواه.

4

نظرة إلى هذا الميراث -ميراث القيود- نرى على التوالي لاحقاً يزحزح سابقاً، وكلّ بدوره يؤدي وظيفته من إيجاد وحدة منسجمة مؤتلفة متفاهمة ينتظم بها المسير في وجهة واحدة، وتجمع شتيت التباين الخلقي والعملي والعقلي برابطة عامة ينضوي القوم تحت لوائها فيظهرون في تباينهم واحداً.

5

كل شيء جديد، في قوم، هو فرقته المتطوعة لفك القيود، هو الثائر المجدد المتشوف إلى الافضل. هو المنادي بالحرية والإطلاق، لأن القوى الفتية المزدحمة بالأماني والرغبات لا تطيق الضغط فما تنفك تعاند الحواجز وتغالبها.

10