قطر المتعملقة بين خَرِفٍ ومُسيطرٍ

الأربعاء 2014/01/29

يصاب بعض الرجال حين يهرمون بحالة من الخرف والهيجان وتخبط الذاكرة. وقليل منهم من يحافظ على صحته، خاصة من تتيسر له القوة، ويظل على صفاء ذهنه، وسموّ أخلاقه، وصواب أحكامه، ونجاعة استنتاجاته وقراراته.

يوسف القرضاوي من الرجال الذين يفقدون مع تقدم العمر صوابهم، وذلك لأسباب شتى، لعل أهمها أن يسعى طوال عقود من الغربة في بلد صحراوي هامشي إلى بناء ما دخل في وهمه على أنه امبراطورية دولة الخلافة، مستغلا المال القطري لإنجاز هذا المشروع الموهوم، ثم تندثر الأحلام وتنهار المشاريع على رأسه ورأس مموليه.

بدأ القرضاوي حياته معلما بسيطا كان قد هرب مع من هرب من الإخوان حين تجرأوا على أمن مصر وحاولوا قتل زعيمها عبدالناصر، فتلقفته وظيفة بسيطة في قطر قصد من ورائها العيش في سلام وأمان.

كانت حياة القرضاوي أثناء حكم السالفين من أمراء قطر هادئة رغم ما كان يتحينه من فرص لمد يده للمشغوفين بالتطرف والعنف.

وتوضحت حركة القرضاوي مع مجيء الشيخ حمد إلى الحكم خالعا والده في انقلاب كانقلاب السيسي، لكن الأخير فعلها تلبية لنداء الشعب، بينما الأول فعلها تلبية لنداء الزوجة.

وحين تم خرق القاعدة الأخلاقية الإسلامية في عقوق الوالدين على مرأى من شيخ الإسلام القرضاوي، وحل الأمير الابن في الحكم محل والده الطريد عنه، صمت القرضاوي، حتى لا نقول إنه كان أحد المشجعين على فعلة الابن، فعينه هذا قيما على مشاريعه السياسية والتجارية، كيف لا وهو من ربى الأمير العاق على المبادئ الباطنية للإخوان، بمعاييرها المزدوجة، ومبادئها المنفصمة.

وقد تجلت هذه المبادئ الإخوانية في سياسة الأمير الابن، فوجدنا محمد بن عبدالوهاب إلى جوار حسن البنا وإلى جوارهما الجنرال ديفيد باتريوس يرافقهم شيمون بيريز، ويسبقهم بشار ونصر الله وخامنئي، وهكذا دواليك، مئات من الشخصيات متضاربة الأهداف ومختلفة في ما بينها، لكنها تتفاعل بطرق شتى، وتتسيد المشهد.

عهدنا في الإخوان تقية وخداعا وحيلا في إخفاء هوياتهم الباطنية وأهدافهم، وانعكس ذلك في السياسة القطرية فتجد يدا تداعب لحية خامنئي وأخرى تتبرّك بيد أوباما.

وهو ما ترك السؤال يكبر يوما بعد يوم عن منطلقات استراتيجية السياسة القطرية، وأساسها، لاشك، أنه حماية الكيان، لكن مذهبها الثابت هو ما يرسمه القرضاوي لها من أدوار تقوم على دعم حركات الإسلام السياسي المتطرف. وهو ما جعل الإدارة القطرية رهينة مختطفة من قبل التنظيم الدولي.

يتساءل الخليجيون، خصوصا، عمن يحكم قطر، وبعضهم دخل وهمه أنه تميم، لكن العالمين ببواطن الأمور يسخرون ويشيرون بأصابعهم إلى ثنائي مدهش، ليس بالقطري، ممثل بعزمي بشارة ويوسف القرضاوي وما على الأمير إلا الدفع.

يبدو، للوهلة الأولى، أن من في قطر يسابق الزمن من أجل ترسيخ اسم الإمارة، لكننا لا نرى غير علامات مضحكة، فرغم النجاحات كلها التي تحققت، وتمثل جلّها في استضافة فعاليات ومؤتمرات عربية ودولية، لايزال اسم الدولة مقرونا بالمال. فقطر لم تستضف هذه الفعالية أو تلك إلا لأنها أخرجت كيسها فدفعت ورشت ثم فازت بالاستضافة.

لكن السؤال الباعث على الحيرة، هو ما الذي يجعل الإمارة الصغيرة تضحي بعلاقاتها مع أشقائها من أجل رجل هرم وتائه لا منجاة له من التبعية للمرشد وآلته المتطرفة؟.

ولعل هذا الجهد القطري المعادي لمصالح الخليجيين والعرب والتابع لفئة إرهابية يجعل من كل خليجي كارها لسياسة قطر ودورها الملتبس، وأكثر ما نخشاه أن يرتبط الأمر بشعبها العزيز.

هل تقف قطر مع الحق. هل تقف مع الشعوب كما تردد. إن كان ذلك صحيحا فماذا عن ملايين المصريين الذين يفوقون الإخوان عددا آلاف المرات بل ملايينها. وأين هي من الإرادة المصرية الحرة؟.

ولا يتعلق الأمر بما يتفوه به القرضاوي من ألفاظ سيئة بحق دول الجوار الخليجي وحسب، وتهجمه على زعمائها وسياساتها، بل يتعدى ذلك إلى إسهامه البيّن في تحويل الإمارة الصغيرة إلى منطقة مؤامرات ضد أشقائها وشقيقاتها، فالإخوان الخليجيون يحطون الرحال في واحتها السائبة فينهلون من عوائد غازها، ثم يعودون إلى مطارحهم لينفذوا سياستها الهادفة إلى إقلاق الشعوب قبل الأنظمة، فتحيك الإمارة المتعملقة السيناريو الليبي للسعودية والعراقي للكويت، عبر زرع الفتنة بين الشيعة والسنّة هنا، وتمويل ثلة هناك، كما حدث في الإمارات.

أما وقد اتضح ما خفي من أمر التدخل القطري في شؤون الخليجيين الأشقاء، فهل ستقف الدول الخليجية، وخاصة السعودية، مكتوفة الأيدي، كاظمة الغيظ مراعاة للروابط التاريخية، وباسم أبوتها التي لا يتناهى عليها شك. أما يكفي ما سمعناه من تسجيلات لرئيس وزرائها السابق وهو يتآمر مع القذافي الراحل على بلاد تعد عمقا استراتيجيا لقطر. أما يكفي ذلك التسجيل الصادم لينبه الشعب السعودي قبل حكومته إلى مدى الكذب والدجل الذي تناهى من تحت خيمة الإخوان عبر كلمات حمد بن جاسم؟.

الحديث عن النوايا الطيبة لقطر لا يعد واقعيا، واستمرار مسلسل المؤامرات القرضاوية بتمويل قطري لا ينقطع، لا يشكل خطرا على مصر وحدها، بل وعلى السعودية وكافة دول الخليج، لذا نرى أن على هامات الرجال أن تتحرك لتوقف هذا العبث، عبر عمل قوي ينظف قطر الحبيبة من أدران الإخوان والكنيست، وغيرها من دوائر الحيل. وليعرف الشعب القطري أن استمرار هذا الوضع سيعود بالضرر عليهم، فيصيبهم قبل أن يصيب نظام حكم كارتوني بات في مهب شيخ خرف وعضو كنيست مسيطر.

9