قطر بحاجة إلى درس في السياسة السعودية

الأحد 2017/07/09

قطر تعتقد أنها ستكسب ولا تعرف بأنها قد وقعت في الفخ. نجمة الجزيرة الإعلامية الإخوانية خديجة بن قنة تروّج لوجود أدلة على تورط السعودية بالإرهاب الذي ضرب لندن، وقد أخفتها رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي لمصالح اقتصادية. ويتحدث الإخوان المسلمون عن ضرورة تفعيل قانون “جاستا” لمحاكمة المملكة.

قطر لا تدرك الحقيقة وهي أنه بمجرد إعلان السعودية عن عزلها ومعرفة الناس بأنه لم يعد بإمكانهم الجمع بين قطر والسعودية في وقت واحد انتهى أمر قطر. بمجرد إعلان قطر عن رفضها للمطالب وأنها لا تستطيع قطع علاقتها مع إيران لأن بينهما أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم انتهى الموضوع. بمجردة استماتة آل ثاني للاحتفاظ بقاعدة العديد الأميركية انتهت الحكاية.

لم يعد بإمكان قطر وقناة الجزيرة الحديث في موضوع “عربي سني” إسلامي بعد اليوم. هذا جوهر العزل السعودي لقطر. الموضوع لا حصار ولا مقاطعة. هو في الحقيقة “عزل تأديبي”. مصلحة السعودية في عزل قطر أكبر من مصلحتها بعودة العلاقات. على الأقل لخمس سنوات.

لا نحتاج عودة العلاقات مع قطر مباشرة. دعوا الجزيرة تنبح منبوذة ومعزولة. إذا عادت العلاقات يعود تأثير قطر، بينما الآن السياسي والإعلامي العربي يفكر مليون مرة قبل زيارة الدوحة أو التعامل معها. فهناك خسارة وتضحية في هذا النشاط وعليه أن يختار. بالنسبة إلينا “عز الطلب” ومع الوقت ستغرق قطر بالشيعة نكاية بالرياض لأن بعضهم لا يهمهم غضب السعودية والإمارات، وهكذا نخلص من ثقل وتأثير قطر على السنة العرب في المناطق الساخنة.

حين قدمت الدول الأربع المطالب التي على قطر تنفيذها قال مسؤول سعودي كبير “يا رب ما يقبلو”. قطر أيضا لم تفهم هذا الكلام. المطلوب “عزل قطر” عربيا وسنيا وليس المطلوب غزوها ولا تجويعها. ضرر وجود قطر مع العرب أكثر من الضرر الناتج عن عزلها. فلماذا العجلة؟ دعوهم هكذا في عزلة حتى نرى ماذا نفعل مع مشكلة إيران.

كان كل متطرف إسلامي سني يحجّ إلى قطر ليعلن نفسه عدوّا لإيران والشيعة. مسرحية كاذبة هدفها تحريض الفلوجة والموصل وحلب وغيرها من الحواضر الحبيبة المغلوبة لتقوم طهران بهدمها. الآن اتضح أن بين إيران وقطر حقل غاز بتريليونات الدولارات وتحالف مصيري. وهذه اللحى السنية التي تدعمها قطر كلها مساهمة بالخيانة.

بعد المقاطعة صار على هذه اللحى أن تذهب إلى قطر للهجوم على السعودية. “خير وبركة”، فهذا على الأقل يجنب الفقراء شرّهم. السعودية قلعة عبدالعزيز لا يهزها ريح. الرياض ستجبر قناة الجزيرة على استضافة الشيخ ياسر الحبيب والجنرال قاسم سليماني وقد ترافق كاميرا الجزيرة الميليشيات للترويج لانتصارات طهران.

هناك تناغم إخواني إيراني في الهجوم على السعودية ومساندة الدوحة. فقد شنّ قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري مؤخرا هجوما شديد اللهجة على المملكة العربية السعودية، واصفا إياها “بالدولة الإرهابية”، على حدّ تعبيره. وذكر أن السعودية لا تفهم سوى لغة القوة.

الإخوان المسلمون هندسوا “الفخ السنّي” في الشرق الأوسط وساعدوا إيران في مشروعها. لو تقرأ الملاحم الإغريقية أحيانا يتدخل الإله زوس لنصرة شعب من البشر الفانين على شعب تعيس الحظ، والشعب المهزوم يبتهل إلى زوس ويقدم له القرابين، أو يقدم القرابين لآلهة أخرى في الأولمب لتتدخل وتحدّث زوس، وليس الشعب المهزوم يحارب زوس. هذا انتحار فزوس عند الإغريق إله الرعود والصواعق.

أميركا هي زوس الذي يدعم الهنود الحمر والميليشيات ضد سنة العراق فلماذا يتحول السنة إلى إرهابيين ومقاومة؟ هل تريدون أن تحاربوا زوس؟ أليس الأفضل بناء تحالفات وتقديم المصالح لأميركا مع نسخة يقبل بها زوس، أليس الأفضل أن نوسّط حكومات عربية تعرف لغة الأولمب بدلا من أن تخدع قطر وتركيا الفتيان العرب للقفز إلى النار. ما فائدة التحريض الديني إذا زوس ضدكم؟

راح العدناني خطيب الدواعش إلى مزبلة التاريخ ونتيجة بلاغته الغبية هي هذه الأنقاض والنازحون، هي الهياكل العظمية الخارجة من الموصل، هي الجثث المتناثرة في الطرقات. كيف حدث هذا؟

هذا صنيع إيران وتركيا، لا توجد حدود أخرى مجاورة لداعش. المشروع إخواني إيراني. هذا يجلب متطوعين عبر أراضيه ويغريهم بشراء النفط المهرّب، وهذا ينسحب من المدن ويتركها لداعش بحجة قوتهم الجبارة الأسطورية. وبشار والمالكي يطلقانهم من السجون، والجزيرة ترقص وتردح لتوريط سنة العراق وهدم مدنهم.

القضية الجوهرية هي أن سنة العراق أصحاب قضية قبل داعش. ضحايا نظام عنصري وطائفي لكن داعش لم يأت ليحل مشكلتهم بل ليحوّل الضحايا إلى مجرمين.

تتهدم حواضرهم، ويتشتت شعبهم وشملهم، تنفضح بيوتهم، وتنكسر قلوبهم على أطفالهم ثم يأتي الضحايا يعتذرون إلى النظام العنصري الصفوي نفسه. لا يريدون حقوقا ولا مساواة فقط لا تقتلونا رجاء، نحن لسنا دواعش. نريد طعاما وخيمة ودواء وغطاء، نريد أن تقبلونا ولو عبيدا فلم تعد بنا طاقة على المطالبة بأيّ حقوق. نتوسل إليكم أن تفتحوا السيطرات لندخل بغداد ولو بصمت خائفين. هذا مشروع ضخم حقا، مشروع الإسلام السياسي القذر.

تركيا لا تريد حربا قومية بل تريد إسلاما سياسيا على نمط مسلسل “قيامة أرطغرل” وبناء أمة بالحروب المذهبية والدماء على نمط داعش. كانوا يظنون بأن السعودية ستسقط وتتقاسم تركيا المنطقة العربية مع إيران، على اعتبار داعش وهابيّ ويطبق فقه ابن تيمية. بؤرة هذا المخطط كانت الدوحة، وفمه الناطق قناة الجزيرة.

الشيء الوحيد الجيد الآن هو أن سنة العراق قد فهموا أخيرا. كيف تقنعهم قبل عام 2014 أن أردوغان “مجرم”، وأن الإخوان المسلمين يتلاعبون بعقولهم، وأن المقاومة يجب أن تكون علمانية، وأن الإسلام السياسي مجرد فخ، وأن العداء لأميركا هو صراع ضد الأولمب وآلهة الصواعق، وأن قطر تشتريكم شراء العبيد، وأن قناة الجزيرة تلعب بعقولكم وتدفعكم إلى الهلاك. هذا كان مستحيلا في الماضي بينما اليوم العقول فهمت.

تفاؤل عراقي كبير بخطوات المملكة العربية السعودية الجديدة. كان العراق قد وقع في المدار التركي الإيراني. لم يكن بالإمكان فعل شيء، حتى السعودية انقسمت في خضم الأحداث، وإلا ماذا تسمي دعم قناة صفا ووصال والعرعور. قنوات دعمتها المؤسسة الدينية السعودية ولا نعرف المصلحة من الجدل المذهبي؟

هذا الخطاب لا يناسب المملكة الآن، ربما يتم إغلاق هذه القنوات أيضا. المملكة تفكر من ناحية سياسية: ما هي الجدوى من الاستثمار السياسي في العراق؟ في كل الأحوال رعاية مصالح أميركا مكفولة سواء في حكم شيعي إيراني أو قومي عربي. ما هي الفائدة من تمكين حاكم عراقي عربي جديد؟

لماذا على السعودية إنفاق الوقت والمليارات لإقناع البيت الأبيض بإعادة هيكلة السلطة ببغداد؟ الفائدة معدومة في الأعوام السابقة، فسنة العراق كانوا لا يقلّون خطرا عن شيعة العراق بعد أن سيطر أردوغان على عقولهم وصاروا يتكلمون بالأمة الإسلامية والخلافة وانتشر فيهم التدين والجهاد والعداء لأميركا. لم تكن فيهم أيّ فائدة سياسية تُرجى.

لقد حاولنا إثارة التعاطف في السنوات السابقة بسبب مظالم سنة العراق الكبيرة على يد إيران لكن السعودية كانت أساسا قلقة من هذا التعاطف بالذات، فهو يؤدي إلى حماسة بعض الشباب السعودي النبيل والتطوع للقتال والتورط بالإرهاب.

أعتقد أنه بعد “عزل قطر” أصبحت هناك فائدة سياسية من سنة العراق. هزيمتهم العميقة واحتراق مدنهم وسحقهم سحقا بالميليشيات الإيرانية، إدراكهم لخداع أردوغان وقطر لهم، صدمتهم بالإسلام الداعشي وطبيعته ونهايته. هذه كلها تؤهلهم لأن يكونوا مادة سياسية مفيدة.

الصفة الجيدة في سنة العراق هي الانضباط والطاعة وتنفيذ الأوامر، مجتمع شبه عسكري. يمكن زج شخصيات عسكرية وسياسية قريبة من المملكة لاستقطاب السنة والتنسيق مع البيت الأبيض. في الماضي وبوجود قطر لم يكن بإمكان المملكة التدخل وتقديم المساعدة.

كانت الميليشيات الإيرانية تسخر من مصطلح أطلقه البعث العراقي على صدام حسين “القائد الضرورة” وهو كان كذلك حقا لولا خطأ الكويت والغرور. كان صدام حسين مبيدا لكل هذه التنظيمات المسلحة الضارة التي نراها اليوم. تلك الكائنات التي أطلق عليها عبدالرزاق عبدالواحد مصطلحا رائعا هو “الدبى” وفعلا هي “دبى” الجراد لأن كلّ همها إثارة الفتنة وسفك الدماء.

بالله عليكم ماذا نسمي صعود الإرادة الشابة في السعودية اليوم؟ لا أجد كلمة سوى “قائد ضرورة”. الأمة العربية اليوم في أحلك ظروفها وتتعرض لمؤامرة عثمانية صفوية وظهر نجم تحالف شاب عربي متألق وقلب الموازين. حين رأيت فزع الميليشيات لصعوده تذكرت بيت المتنبي:

“كأنّ بنيهمْ عالمون بأنني

جَلوبٌ إليهمْ من كرائههِ اليُتْما”.

كاتب عراقي

5