قطر تخفق في الزج بملف الأسرى ضمن التهدئة في غزة

القاهرة نجحت في حصر دور الدوحة في تقديم المساعدات للقطاع، وعباس يتجاهل التحديات في الضفة ويتفرغ لتصفية الحسابات مع حماس.
السبت 2018/08/18
تقارب تكتيكي

القاهرة - ذكرت مصادر مطلعة لـ“العرب”، أن قطر أخفقت في الزجّ بملف تبادل الأسرى والجثامين ضمن صفقة التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس.

وحاولت الدوحة توظيف هذه الثغرة للعب دور متقدم في اتفاق التهدئة، إلا أنها فشلت في ذلك وأصبحت جهودها مقتصرة على تقديم مساعدات إنسانية لقطاع غزة.

وتحفظت حركة حماس على حشر ملف الأسرى حاليا، وتمسكت بدور رئيسي لمصر فيه، لأن الدوحة طرحت رؤية تقول الأسرى مقابل رفع المعاناة عن سكان غزة، بينما القاهرة تريد تبادلا للأسرى مقابل الإفراج عن المئات من المعتقلين الفلسطينيين في سجون إسرائيل دون ربط المسألة بقضية الحصار وهو ما تتبناه حماس أيضا، وفي النهاية أغلق هذا الملف لأجل غير مسمى، بموافقة من إسرائيل.

وحجمت مصر محاولات قطر للتمادي في توسيع دورها لما يتجاوز الدور الإنساني، ووعود بدفع رواتب الموظفين في غزة، بما يتماشى مع أغراض الدوحة وكثير من ممارساتها السياسية، أملا في امتلاك مفاتيح في القضية الفلسطينية تمكّنها في التأثير فيها، ومناكفة مصر.

وسعت قطر إلى التنسيق مع تركيا التي تخوض مواجهة محتدمة مع الولايات المتحدة الأميركية، أملا في أن تثبت أنقرة لواشنطن أنها قوة مؤثرة ووازنة على الصعيد الإقليمي، ويصعب التخلي عن خدماتها في حل قضايا المنطقة.

قطر تستبدل علاقاتها مع فتح بحماس نكاية بمصر التي نجحت في تحجيم طموحاتها في لعب دور متقدم بشأن التهدئة في غزة

وذكر مصدر مطلع لـ“العرب”، أن إسرائيل وحماس لا تمانعان في دور كلّ من الدوحة وأنقرة، لكن القاهرة كثّفت من تدخلاتها لتحجيمهما ومنع التوظيف السياسي للملف الإنساني بمفرده في قطاع غزة من قبلهما، والدخول في تفاصيل تجعل التهدئة ورفع الحصار والمصالحة ضمن المسارات الرئيسية.

وأكد المصدر أن انفتاح الرئيس الفلسطيني محمود عباس الظاهر على قطر محاولة منه للإيحاء بأن لديه بعض الأدوات التي يمكن أن يستند إليها لإفشال ما يجري الترتيب له حاليا، ولكن ذلك لا يعني أنه أصبح بعيدا عن القاهرة، كما أن التطورات الأخيرة لا تعني أن حماس باتت بعيدة عن الدوحة.

بالمقابل فإن هذا التفاعل القطري مع عباس لا يعدو أن يكون سوى نكاية بمصر التي تتصدر جهود التهدئة في القطاع.

وأوضح أن الحسابات السياسية تفرض على كل طرف الإقدام على تصرفات يعتقد أنها تحقق أهدافه، واصفا ما يحدث الآن بأنه “عملية عض أصابع محكومة بضوابط معيّنة، ويصعب أن تترك لتنفجر في وجوه الجميع في المنطقة”.

وكشف ذات المصدر أن زيارة اللواء عباس كامل رئيس المخابرات المصرية، الخميس، لإسرائيل كان هدفها تأمين الموقف الإيجابي من التهدئة وتثبيت المعالم التي جرى التوافق عليها، في ظل الانقسام حولها داخل الحكومة الإسرائيلية.

كما أن لقاء كامل وعباس في رام الله أسفر عن وعد الثاني بإرسال وفد من حركة فتح، الأحد، برئاسة عزام الأحمد لمشاركة الفصائل الحديث عن التفاهمات التي سيتم الدخول بها لتوقيع اتفاق تهدئة مع إسرائيل، لافتا إلى “عدم استبعاد التوقيع دون فتح إذا أصرت على موقفها من رئاسة الوفد الفلسطيني للتوقيع”.

وفسر المصدر موقف عباس المتصلب حيال التهدئة بما وصفه بـ“النرجسية الشديدة وفقدان الرؤية الإستراتيجية للتعامل مع التطورات المتلاحقة، ورضوخه لضغوط تمارس عليه من قبل الطبقة السياسية التي قام بتصعيدها لتتصدر الهياكل المختلفة داخل فتح”.

وأكد أن مشكلة الرئيس الفلسطيني أنه لا يزال يتصور أن كل ما يحدث يمثل “مكافأة أو جائزة كبرى لحماس معتقدا أنه لم يتم الضغط عليها بشكل كاف، وهو غير مدرك لخطورة الانتظار طويلا الذي يفتح الباب لتمدد كل من قطر وتركيا في قطاع غزة، وغير مدرك أيضا أن الأمور قد تفلت من بين يديه بسرعة، إذا صمّم على الاستمرار في طريقته لمعاقبة حماس، التي سيسقط الحصار تلقائيا عنها بعد التهدئة، وتصبح إجراءاته عديمة الجدوى، ورهانه على البالونات الحارقة وما يمكن أن تقود إليه من استفزاز إسرائيلي لاجتياح القطاع في غير محلّه”.

أيمن الرقب: مصر والرعاة الدوليون لن ينظروا لموقف عباس من التهدئة بعين الاعتبار
أيمن الرقب: مصر والرعاة الدوليون لن ينظروا لموقف عباس من التهدئة بعين الاعتبار

وقال المصدر، إن موقف الرئيس بالغ الحساسية الآن، بعد تخلّيه عن قيادات نصحته مرارا بضرورة التجاوب مع جهود القاهرة، والتفاعل كي لا تزداد حماس تضخما، وضرب المصدر مثلا بغياب صائب عريقات رئيس وفد المفاوضات الفلسطينية عن المناقشات الداخلية في فتح، ملمّحا إلى “حاجة أبومازن لأشخاص مخلصين إلى جواره”.

وأشار إلى أن هناك لعبة لتوزيع الأدوار تتم داخل فتح، تفسر التناقض في مواقفها، هدفها إفشال التحركات الحالية التي تصب في مصلحة حماس، وهذا ما يهمهم، دون انتباه للمخاطر التي تنطوي عليها الإجراءات الإسرائيلية الخاصة بالحزام الأحمر الذي يشق الضفة الغربية لقسمين، ما يقضي مستقبلا على أي فرصة حقيقية لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما تلتفت إليه مصر جيدا وجعلها تنخرط في التحركات الحالية بقوة، متطلعة إلى إمكانية أن يعيد عباس النظر في خطواته المتصلبة.

وكانت مصر نصحت الرئيس محمود عباس بضرورة استثمار بعض الأوراق التي يملكها للضغط على إسرائيل، مثل مقاضاتها أمام المحكمة الجنائية الدولية، والاستفادة من موقف اليونسكو الإيجابي من الأماكن الإسلامية في القدس، وحثته على مزيد من الانخراط في المنظمات الدولية وفضح الممارسات الإسرائيلية، لكنه توقف عن هذا الطريق وتفرغ لتصفية الحسابات مع حماس.

وتوقّع المصدر في تصريحات وافية لـ“العرب”، أن تخرج اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني المنعقد في رام الله منذ الأربعاء الماضي، بقرارات مفتوحة على احتمالات كثيرة، والمتشدد منها سيكون غير قابل للتحقق على أرض الواقع.

وقال أيمن الرقب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن حركة فتح تسعى جاهدة إلى تخريب التهدئة عن طريق الإيحاء بأنها تتم بجهد “قطري أممي”، والتقليل من أهمية دور القيادة المصرية، لدعم موقف السلطة الفلسطينية في أن يكون التوقيع على التهدئة مسؤولية منظمة التحرير وليس الفصائل الخمس الموجودة في القاهرة حاليا (حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين).

وكان القيادي في حركة فتح عزام الأحمد قد صرّح في لقاء مع قناة  “بي.بي.سي” أن الحركة لا تقبل بأيّ اتفاق تهدئة بين الفلسطينيين وإسرائيل دون مشاركة وفد يمثّل منظمة التحرير بتكليف من الرئيس محمود عباس.

وأضاف عزام الأحمد الذي يشرف على ملف المصالحة الفلسطينية أن اتفاق التهدئة الحالي الذي تم الاتفاق عليه تم بجهد قطري وأممي ممثل في المبعوث الدولي للأمم المتحدة نيكولاي ملايدينوف، في محاولة بدت واضحة للتقليل من الدور المصري.

وأكد أيمن الرقب أن الأمور تتجه إلى عقد اتفاق تهدئة مع إسرائيل بعيدا عن حركة فتح، ومصر والرعاة الدوليون لن ينظروا لموقف السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس بعين الاعتبار، لأنه قائم على المصلحة الخاصة، فلا تريد السلطة أن يفرض عليها أمر واقع، فتظهر بصورة المنهزم أمام حركة حماس.

2