قطر تدفع ثمنا سياسيا وماليا لقناة الجزيرة

لم تكن شبكة الجزيرة القطرية يوما مجرد وسيلة إخبارية تعكس “الرأي والرأي الآخر”، بحسب شعارها، إنما أداة تحركها رغبات سياسية أثارت الفوضى في المنطقة، كلفت الدوحة ثروات هائلة، وهو ما نجحت فيه في وقت ما، قبل أن تفقد القناة مصداقيتها، بسبب دعمها اللامحدود للإسلاميين، ومحاولة تلميع صورتهم.
الجمعة 2016/01/29
جزيرة وسط أمواج عاتية

الدوحة- لم يكن قرار إغلاق قناة “الجزيرة أميركا”، منفصلا عن السياسات والخيارات الدبلوماسية القطرية، “الجزيرة نفذت مهمتها… أن تجعل قطر اسما شهيرا مؤثرا في الساحة السياسية. في إحدى المراحل كانت أداة قوية للسياسة الخارجية لكن كل هذا انتهى الآن”. وهذا ما كشفه حافظ الميرازي المدير السابق لمكتب الجزيرة العربية في واشنطن والذي يشغل حاليا منصب مدير مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والإلكترونية بالجامعة الأميركية بالقاهرة.

وأضاف الميرازي أن الانخفاض الحالي في أسعار النفط أعطى القيادة القطرية عذرا لوقف “التبذير في الجزيرة التي فقدت مصداقيتها في أجزاء من العالم العربي”. مؤكدا “حقبة الإنفاق ببذخ على الجزيرة انتهت”. باختصار “لم تعد تمثل طرفي النقاش في العالم العربي”.

بدوره، يرى وليام يومانس الأستاذ بكلية الإعلام والعلاقات العامة في جامعة جورج واشنطن أنه “كلما زادت الجزيرة نجاحا زادت المخاطر”. وأضاف “بدأت قطر تدفع ثمنا سياسيا للقناة. ترتبت على شعبيتها ضغوط وأثمان جديدة”.

ويتسق رحيل القناة عن سوق الإعلام الأميركي المزدحم بعد مشروع ربما وصلت تكلفته إلى ملياري دولار مع انسحاب من المواجهة مع جاراتها من دول الخليج بسبب دعم قطر للإسلاميين خلال الربيع العربي. ويرى محللون أن القرار الذي اتخذه حاكم قطر الجديد يؤذن باتباع الدولة الخليجية الصغيرة نهجا أكثر حذرا إزاء الدبلوماسية العلنية بعد أن نجحت في لعب دور بارز على مدى سنوات.

حافظ الميرازي: انخفاض أسعار النفط أعطى قطر عذرا لوقف التبذير في الجزيرة

ويقول مسؤولون قطريون ومعلقون عرب إنه بينما لا تزال الدولة المصدرة للغاز مصممة على أن تظل من القوى المؤثرة في الشرق الأوسط فإن استخدامها للجزيرة كبوق لدعم هذا الهدف يتراجع على ما يبدو في ظل حكم الأمير الشاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

ويقول محللون ومعلقون إعلاميون إن أيام الدعم المالي القطري غير المحدود للقناة الرائدة قد ولت على ما يبدو. وكانت تغطية الجزيرة لانتفاضات الربيع العربي عام 2011 قد اجتذبت إليها الملايين من المشاهدين وأثارت استياء حكومات عربية لإذاعتها آراء معارضة.

تم إطلاق قناة الجزيرة أميركا عام 2013 في محاولة طموحة من قطر لاختراق سوق الإعلام الأميركي، لكن القناة عانت من انخفاض نسبة المشاهدة وتأرجحت بين 20 و40 ألف مشاهد في وقت الذروة.

وكافحت القناة أيضا للتخلص من اعتقاد بعض الأميركيين بأن القناة الأم وهي الجزيرة دعائية ومعادية للأميركيين وهي وجهة نظر عبر عنها في عام 2004 رئيس الولايات المتحدة في ذلك الحين جورج بوش الابن. يقول دبلوماسيون إن الشيخ تميم الذي خلف والده عام 2013 يفضل أن تلعب قطر دورا مختلفا وأشكالا أكثر تقليدية “للقوة الناعمة” مثل الاستثمار والتجارة.

وهم يرون أن الدعم لمشروع الجزيرة بكامله محل شك نتيجة لذلك ويشمل الجزيرة الإنكليزية والجزيرة العربية اللتين يوجد مقرهما في الدوحة لكنهما كيانان منفصلان من الناحية التحريرية. وأحجم مسؤولون تنفيذيون بالجزيرة وممثلون للأسرة الحاكمة أو الحكومة القطرية عن التعليق على مستقبل القناة وتمويلها.

وأشادت القناة بتمويل الدوحة لانتفاضات الربيع العربي خاصة الانتفاضة التي شهدتها مصر، لكنها تواجه الآن منافسة ضارية في منطقة الشرق الأوسط، وشكوكا من حكومات كثيرة بسبب كثرة تغطيتها للجماعات الإسلامية في سوريا وليبيا وغيرهما.

وحدث نمو الجزيرة المذهل في عهد الشيخ حمد الذي دعم حركات الاحتجاج في الشرق الأوسط ولعب دور الوسيط في عدد من الحروب في اختلاف عن غيره من حكام دول الخليج. وبدأ التفكير في التوسع في الولايات المتحدة في عهد الشيخ حمد. ولكن في عهد الشيخ تميم خففت قطر من حدة سياستها الخارجية. ويقول محللون ودبلوماسيون إن الشيخ تميم أصغر رئيس دولة في العالم العربي تبنى منذ توليه الحكم في 2013 سياسات أكثر تصالحية واهتماما بالداخل.

وقال دبلوماسي قطري سابق طلب عدم نشر اسمه إن “الشيخ تميم يريد أن يظل لقطر دور على الساحة العالمية لكنه يريد أن يفعل ذلك دون إسراف في إنفاق المال أو إغضاب الجيران… لا يريد الانزلاق إلى صراعات بالمنطقة”. وأضاف “النهج الجديد أقل صخبا وأكثر حذرا”. تأسست الجزيرة عام 1996 ضمن جهود قطر لتحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي فقدمت نقاشا حرا بلا رقابة تندر رؤيته على شاشات التلفزيونات العربية، واستثنى بطبيعة الحال قطر من هذا النقاش.

استضافت برامجها الحوارية ضيوفا شككوا في حكمة الحكام العرب وتبنت دور نصير المستضعفين. وكسر صحافيوها واحدا من أكبر المحرمات في وسائل الإعلام الإخبارية العربية باستضافة مسؤولين إسرائيليين.

وبتمويل من الأسرة القطرية الحاكمة ساعد وضاح خنفر وهو صحافي فلسطيني، كان المدير العام لشبكة الجزيرة من 2006 إلى 2011، في تحويل القناة الفضائية العربية إلى شبكة عالمية لها الملايين من المشاهدين وأكثر من 20 قناة تبث بلغات منها العربية والإنكليزية والسواحيلية.

صاحب توسع الجزيرة نفوذ لم يسبق له مثيل في العالم العربي وجلب معه أيضا أعداء جددا. ففي السنوات العشر الأخيرة تعرضت مكاتب الجزيرة للقصف والمداهمة والإغلاق وسجن مراسلوها وقتل بعضهم.

وليام يومانس: كلما زادت الجزيرة نجاحا زادت المخاطر وترتبت على شعبيتها أثمان جديدة

في عام 2014 قالت الجزيرة إنها تقدم تغطية موضوعية لكل جماعات المعارضة. ودافع مصطفى سواج القائم بأعمال مدير عام شبكة الجزيرة بأن القناة تقع تحت ضغط من السلطات في عدة أماكن لأنها “الأكثر شفافية وتوازنا وحيادية بين كل القنوات العربية”. وهو ما يرفضه المراقبون الذين نفوا هذا الكلام، مؤكدين أن نهج الجزيرة في دعم الإسلاميين دون حدود، لا يمت للحياد والشفافية بصلة.

وتواجه الجزيرة الآن منافسة شرسة من قنوات تضاهيها في أسلوب تغطية الأخبار ومنها قناة الحرة التي تمولها الولايات المتحدة وسكاي نيوز عربية والعربية وهي قناة تعبر عن وجهة نظر جيران قطر الأكثر محافظة الذين يتزايد نفوذهم بالمنطقة. وتحاول قطر تجربة تنويع وسائل الإعلام.

في العام الماضي فتحت قطر قناة إخبارية مقرها لندن هي العربي الجديد التي تربطها صلات بعزمي بشارة الذي يعمل مستشارا للشيخ تميم ويدير مؤسسة بحثية في قطر.

ويدير خنفر المدير العام السابق للجزيرة النسخة العربية من موقع التجميع الإخباري الأميركي على الإنترنت هافنغتون بوست. ويعتقد بعض العاملين في القناة أن التزام قطر تجاه الجزيرة وكذلك تأثيرها في تراجع.

وقال موظفان في قناة الجزيرة العربية وصحافي كبير بالجزيرة الإنكليزية إن من المتوقع تنفيذ خطط لتخفيض العمالة خلال الصيف. وكان من المقرر تنفيذ هذه الخطط في سبتمبر 2015.

وقال الصحافي بالجزيرة الإنكليزية “تم إبلاغنا قبل ثلاثة أشهر بأننا سنواجه تخفيضات كبيرة في العمالة لكن كان هناك نوع من التدخل من أعلى، حال دون تنفيذ ذلك”. وأضاف “لكنني أعتقد أننا سنشهد تخفيضات. الجزيرة أميركا كانت استنزافا ضخما للموارد وبصراحة لم نعد نعلم حجم الالتزام (تجاه الأقسام الأخرى من الجزيرة)”. ومضى يقول “هناك شعور بأن الجزيرة أدت ما كان يفترض عليها أن تؤديه”.

18