قطر تستعين بـ"القوة الناعمة" لاستعادة مكانتها الإقليمية

الخميس 2015/11/05
شراكة واشنطن مع قطر "ضرورية وجوهرية"

الدوحة - تأمل قطر أن تسهم صفقات استثمارية وتجارية ضخمة مع واشنطن في استعادة مكانتها كإحدى القوى المؤثرة في الشرق الأوسط بعد ما لحق بها من اتهامات بالفساد في تنظيم نهائيات كأس العالم في كرة القدم وسوء معاملة العمالة الوافدة وصلات بجماعات متشددة.

كما تريد قطر التي تمرست على استخدام قوة المال كشكل من أشكال "القوة الناعمة" أن تغير ما ترى أنه ضعف الاهتمام الأميركي بدول الخليج العربية وضمان ألا يؤدي التقارب الأميركي مع إيران إلى إبعادها عن مركز النشاط السياسي في الشرق الأوسط.

وكانت قطر تختط لنفسها في فترة من الفترات نهجا يختلف عن نهج بقية دول الخليج لكنها خففت في العامين الأخيرين سياستها الخارجية التي سعت فيها للتأكيد على أهمية دورها وذلك بعد انتكاسات تعرضت لها في مصر وسوريا وبعد أن ساعدت في تمويل انتفاضات الربيع العربي.

لكن الحكومات الغربية ترى في قطر رغم كل ذلك دولة يمكن أن تؤدي دور الوسيط الإقليمي البارز بسبب علاقاتها مع الإسلاميين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وهو دور قد تزداد قيمته إذا تسارعت الجهود لوضع نهاية للحرب الأهلية في سوريا.

كذلك فإن ثروة قطر من الغاز تعني أن قيمتها كشريك اقتصادي لم ينتقص منها شيئا وهو أمر ظلت قطر تركز عليه في الآونة الأخيرة مع واشنطن أبرز حلفائها خارج العالم العربي فخصصت المليارات لتعميق العلاقات مع الولايات المتحدة أكبر قوة اقتصادية في العالم.

ولدى إطلاق الحوار الاقتصادي والاستثماري الأميركي القطري في واشنطن في أكتوبر الماضي قال نائب وزير الخارجية الأميركي توني بلينكن إن شراكة واشنطن مع قطر "ضرورية وجوهرية للغاية" للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

وأضاف أن الولايات المتحدة عازمة على مساعدة دول الخليج في الدفاع عن نفسها في مواجهة الأخطار الجديدة والناشئة.

شركاء

وقال بلينكن "الولايات المتحدة وقطر شركاء على الصعيد الاقتصادي مثلما نحن شركاء في المجال الأمني." وأضاف أن قطر تلعب دورا كبيرا على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي كما أنها مصدر "مهم جدا" لرأس المال الأجنبي.

وكان بلينكن يتحدث بعد أن أعلنت هيئة الاستثمار القطرية التي تعد من أنشط صناديق الثروة السيادية في العالم أنها تتعهد باستثمار 35 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس المقبلة.

وقالت الهيئة إنها افتتحت مكتبا في نيويورك لتيسير الاتصال بالشركاء الاستثماريين الحاليين والجدد. وتساهم الهيئة في إدارة ثروة قطر من إيرادات النفط والغاز من خلال محفظة استثمارية تركزت تقليديا على أوروبا.

وعلى الصعيد التجاري أبرمت قطر صفقات تتجاوز قيمتها الإجمالية 20 مليار دولار مع شركات أمريكية مثل ريثيون ولوكهيد وبوينج في العامين الأخيرين.

وقال المحلل غانم نسيبة من كورنر ستون جلوبال أسوشييتس "الاستثمارات القطرية ليست مالية محضة. لكنها تحمل في طياتها جانبا سياسيا".

وأضاف "القطريون يحاولون أن يقولوا للأميركيين 'علاقتنا تتعلق بما يتجاوز السياسة... فهي كلية وتشمل قطاعات أخرى وهذا الاستثمار للتعويض عن أي خلافات سياسية مع الأميركيين'".

انزعاج

ومن تلك التوترات خلافات مع واشنطن حول النهج القطري إزاء صراعات مثل ما يجري في ليبيا وسوريا. وقد أعرب ساسة أمريكيون عن انزعاجهم من علاقات الدوحة مع جماعات إسلامية مسلحة يرى الغرب أنها متطرفة.

غير أن قطر تقول إن قيمتها كشريك قادر على الوساطة في النزاعات والحروب من الصومال والسودان إلى لبنان تكمن بالتحديد في الصلات الجيدة التي تربطها بشبكة واسعة من الأطراف رغم أنها تقول إن هذه الأطراف ليس من بينها من هم إرهابيون.

وتفخر قطر بقدرتها على حشد مجموعة متباينة من كبار الضيوف في اجتماع واحد وهو أمر أكثر تعقيدا في دول خليجية أخرى مثل البحرين والإمارات حيث أدت خلافات طائفية وسياسات مناهضة للإسلاميين إلى وضع قوائم سوداء يستبعد من ترد أسماؤهم فيها من الحضور.

وتستضيف قطر أكبر قاعدة عسكرية برية أميركية في الشرق الأوسط وبها فروع لست جامعات من كبرى الجامعات الأميركية كما أنها تستضيف مندوبين من حركة طالبان الأفغانية وحركة حماس الفلسطينية وجماعات إسلامية أخرى.

وزارت ميشيل أوباما السيدة الأولى في الولايات المتحدة الدوحة يوم الأربعاء للترويج لتعليم البنات. وقال مسؤول قطري رفيع المستوى "الشرق الأوسط منطقة بتحالفات وسياسة معقدة. ونحن نعتقد أن ثمة حاجة ماسة لبلد يمكنه تيسير بدء حوار. والهدف هو محاولة فتح حوار في النهاية واتصالات بين جماعات رفضت المحادثات لفترة طويلة وركزت بدلا من ذلك على العنف".

حوار

وأضاف "تعمل قطر بكل جد من أجل أداء هذا الدور. ونحن نعتقد أنه سيفيد الولايات المتحدة أن تكون جزءا من ذلك الحوار."

ومازال بعض القطريين يتوجسون من التطمينات الأميركية أن بلدهم سيبقى حليفا قويا. فهم يخشون أن تكون المصالح الاستراتيجية الأميركية في الخليج قد تأثرت بالوفاق الحذر الذي بدأ يأخذ مساره في العلاقات مع طهران وأن هذه المصالح قد لا تقترن على الدوام بالرغبة في تقديم قوات وضمان أمن المنطقة.

وقال مسؤول قطري سابق في إشارة إلى سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما "ثمة اعتقاد أن الولايات المتحدة لم تعد تلعب الدور الذي اعتادت أن تلعبه في الشرق الأوسط".

وأضاف "أوباما ينسحب في وقت يتدخل فيه آخرون مثل روسيا وإيران ويصبحون أكثر انخراطا (في المنطقة). بالطبع لابد من أن تفكر أمريكا في مستقبلها وحلفائها في المنطقة وهذا طبيعي... لكن علينا أن نفكر في مستقبلنا أيضا".

ويقول دبلوماسيون إنه بتخصيص المليارات للاستثمار في الولايات المتحدة فإن قطر لا تظهر لواشنطن فقط أنها قد تستفيد من إبرام الصفقات مع الدوحة حتى إذا اختلف الطرفان على الصعيد السياسي بل تستطيع أيضا أن تفسح لنفسها مجالا للمناورة. ومن أبرز هذه الخلافات ما يتعلق بسوريا.

وفي الجمعية العامة للامم المتحدة في سبتمبر الماضي عرض أمير قطر الشيخ تميم بن حمد أن تستضيف بلاده حوارا مفيدا لرأب الصدع بين دول الخليج العربية وإيران.

كما أبدى شعوره بالإحباط من مساعي السلام السورية في تعليقات قال دبلوماسيون إنها تستهدف فيما يبدو الدعم الأميركي الباهت للمعارضة في سوريا. ووصف فشل العالم الخارجي في تسوية الصراع بأنه "جريمة كبرى".

وفي حين أن قطر من أشد خصوم الرئيس السوري بشار الأسد فإن قيودها المخففة على أطراف يشتبه أنها تمول جماعات المعارضة أعطتها في واشنطن صورة أنها مكان يسهل فيه تمويل الإرهاب.

وقد حاولت الدوحة الرد على الانتقادات بمساعدة الولايات المتحدة عام 2012 في تحرير الصحفي بيتر ثيو كيرتس الذي كان محتجزا في سوريا وذلك من خلال وساطة مكثفة.

1