قطر تهمل الرياضة وتستثمر في أيديولوجيا التطرف

السبت 2017/06/17

العلاقة بين الدول كالعلاقة بين الأفراد، لا تتطابق إنما تقترب على الأقل في المعالجات والبحث عن حلول، خاصة في الأزمات. السياسة لها بعد شخصي في تجنب الصراعات والمواجهات المدمرة أحيانا ولتفادي الخسائر الكبيرة في الحروب. العلوم العسكرية تشجع على استخدام مبدأ المناورة في استيعاب الهجوم الواسع النطاق أو المباغت بتمكين القطعات من الانسحاب أو بتسمية أكثر توصيلا في المعنى لما نريد التركيز عليه، التراجع.

للوهلة الأولى تبدو كلمة التراجع مُحبِطة للقيادات وربما تترادف مع الهزيمة أو التخاذل، إلا إذا كانت جزءا من الخطط المتوقعة وبعضها من استراتيجيات موضوعة سلفا وتعتمد الاحتمالات وتعدد الاختيارات والتعامل معها وفق ما تتطلبه الظروف في الميدان من تحركات ليست بالضرورة منسجمة مع غرفة التخطيط في مركز القيادة العليا للعمليات، لأن الجيوش المحترفة من أعلى معاييرها المهنية التدريب الشاق المستمر لتقليل التضحيات إلى أدنى حد في المواقف الصعبة، واستثمار التراجع أو الانسحاب التكتيكي لإعادة التجمع والتهيؤ لهجوم مضاد تتحقق فيه المكاسب والانتصارات بقوة يطلق عليها قوة التربص أو صمت الصياد في انتظار لحظة الانقضاض وافتراس الخصم.

ما ذكرناه يأتي في سياق الدرجات القصوى واستعدادات المعارك وخوضها بعد استنفاد كل وسائل التفاوض السياسي بين الفرقاء الذين لا تربطهم سوى مجاورة الجغرافيا والصدامات المتباينة وتاريخ من العداء السافر الذي يطفو على السطح تلقائيا بين فجوات الأجيال بانتقال تجارب الحرب بتكرار ممل، وبالتناوب مع تجارب المأساة والتعقل بعدها.

الشباب عادة أكثر قربا لحماسة الحروب وللعناد والمكابرة بشأنها، وهم أسرع إلى المجازفة والمغامرة برفض الانصياع لقراءة متأنية لفقرة التفكر في مآلات نجاح الحوار لفرض السلم وفتح الآفاق للتعاون، دون ضرورة تجريب الصدام المسلح الذي غالبا ما ينتهي بجروح لا تندمل بسهولة حتى بعد الإقرار باستحالة مواصلة الحرب.

لتقريب المعنى تندرج حالات الحب ضمن هذا الوصف، فمن نحبهم ويشكلون لنا سندا أو أعمدة بيت نحيا فيه، لا يمكن أبدا أن نفرط فيهم لمجرد أننا تورطنا لسبب ما في مصيدة مواجهة معلنة، وأصبحنا فجأة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الاصطدام المروع، وإما الانسحاب والتهدئة لترك مساحة مراجعة عادة ما تنتهي بمصالحة ومودة ورحمة تمليها وقفة استذكار لتاريخ من المواقف المشتركة.

في بيوتات بغدادية كريمة أدمنت فيها ذاكرتنا على تفاؤل عجيب في كل المقاسات بوحدة المصير العربي وتحت أقسى رص الخطوب والحروب والفتن؛ كانت تلك المدرسة ومازالت تلقي بملامحها على ما يستجد من بلاء في أمتنا، لنتأكد في يومياتنا أنه لا حضن يضمنا إلا حضن الأمة، وإن حِقَب ازدهارنا الاقتصادي وانكفائنا على حدودنا القُطرية التي رسمها المستعمرون لغاياتهم ومصالحهم، ليست أفضل منجزاتنا. التاريخ يخبرنا وبجزالة تجارب الأمم بأن الصدمات الكبرى التي تزلزل المفاهيم وتهمشها، هي ذاتها التي تؤدي إلى نشوء الأفكار وبروز الشخصيات الاستثنائية التي تعيد قراءة الواقع من منظور المصير، لبداية محسوسة وبدراية تاريخية.

بغداد، تعميم لبيت وطن تهاوى، استهدفته أحلام الغزاة من دولة ولاية الفقيه الإيراني، وهو بيت عربي ماثل أمامنا، ليس تجربة في كتاب التاريخ، تقرأه أو لا تقرأه؛ المشروع الإيراني لا يترك مجالا بل لم يدع لنا اختيارا إلا التوحد والنفير بكل ما نملك من مقومات لمواجهته. إنه على الأبواب وعند الحدود والمعابر متسللا بإرهابه وصراعاته الطائفية مستغلا حالة الانقسام والذهول أيضا التي تسبب فيها صعود تيارات الإسلام السياسي والتنظيمات الأصولية، في واحدة منها صادرات ثورة الخميني والتقائها بمن على شاكلتها وإن اختلفت مرجعياتهم الفقهية والمذهبية.

دول الخليج العربي، في تداعي الأحداث مع دولة قطر ومع ما حصل أو ما سينتج عنه ستظل تحت سقف البيت الواحد. دائماً في العلاقة بين الأخوة قسوة تتناسب مع قوة الرفض لتصرفات فرد واحد لا يتناغم مع رؤية الأسرة في حالات استشعار الخطر الخارجي الداهم الذي يتهددها في كيانها وجوهر تماسكها. ردة الفعل لكل عاقل، عليه الانتباه إلى أن معايير العقوبات أو المطالب تتناسب مع حجم العلاقة؛ كلما ازدادت توضحت معالم التصريح بالخطر المحدق أو الخطر الذي افترس عواصم عربية، أي إنه ليس على الأبواب.

إن اللعب بالأيديولوجيات أو الثروات الطبيعية وترويجها في صراعات جغرافية السياسة في دولة مثل قطر، إنما هو تحريض تم تجربته وكانت نتائجه دموية وكارثية على الأمة العربية. إعادة قطر إلى رشد استباق الأحداث، يحسب لها كرؤية عابرة تستشرف بحكمة ما سيأتي وهو حاضر في سوريا أو العراق وعموم المنطقة.

الأيديولوجيات ليست وراثة أو تراثا أو سياسة ثابتة تتناقلها الدول. الاقتصاد والتخصص صورة حضارية لمزاولة أعمال أو مهن فردية تتولاها المجتمعات الحديثة لتصبح مشروع دولة يتم التعريف به بجهد مواطنيها وإنتاجهم المتميز؛ ألا ترتبط دولة مثل هولندا وبلجيكا وسويسرا برعاية الأبقار وزراعة الورود وتصدير ناتجها إلى العالم؟ ألم يقل أحد ملوك أوروبا بعد تنصيبه قبل سنوات قليلة، عندما سئل عن أول عمل سيقوم به، “سأذهب لحلب البقرة وزراعة الورود”. أليست هذه هي أيديولوجيا الأمن والرفاهية وسعادة الشعب وقوته الاقتصادية ونوع العلاقة بينه وبين شعبه وبينه وبين محيطه الإقليمي والدولي.

دولة قطر بحجمها الجغرافي وثروتها ودورها الذي انسجم مع العالم من خلال الرياضة، دور كان يمكن البناء عليه لتكون دولة نموذجية في الرياضة وهي حظيت بهذه الفرصة النادرة؛ تعميق دولة الرياضة سياسة استباقية لنشاط يمثل طفرة نوعية في نظم التفكير على مساحة الوطن العربي أو المنطقة أو حتى العالم. كيف يمكن التفريط في وحدة أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وهي وحدة عربية تتطلع إليها شعوب الأمة كحائط صد لإيقاف طموحات الحرس الثوري الإيراني وميليشياته وحشده الشعبي الذي يتفاخر به وبقوته ومستقبله في العراق وسوريا وبمهماته التي تستهدف كل دول الخليج العربي، قادة إيران.

الحرس الثوري الإيراني الذي سوّق مشاركته في الحرب على الإرهاب كقوة دولية يتمدد في كل بقعة أرض يطرد منها داعش في عملية تشبه المطاردة لاستبدال إرهاب بإرهاب أكبر وأقوى تأثيرا وبدعم من تنظيم الدولة الإسلامية في إيران ومعها ميزانية العراق، مستفيدا من حشود بشرية من العراقيين المغرر بهم طائفيا والذين تستباح دماؤهم خدمة للمرشد خامنئي ولولي الدم في حصته السياسية من الانتخابات العراقية القادمة. في واقع دولي قلق ومتداخل بمصالح الدول الكبرى عبر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بصراحة ودون أي لبس أو غموض ودون أي إيحاء دبلوماسي عندما أشار إلى الدور الروسي في سوريا وتجارب الأسلحة الروسية.

الاختلاف ليس عنوان الأزمة في الخليج، إنما الأُخوّة والمصير الواحد والحرب على الإرهاب التي دخلت من بوابة قمم الرياض إلى الحقيقة والحزم التي لا يريد بعضهم التسليم بها لأن الإرهاب مشروع ووسيلة وجهد منظم ينبغي على جميع الأحزاب والتنظيمات والدول النأي عنه وتجريمه والوقوف ضده. الإرهاب شوه وجه الإنسانية وعلى الجميع محاربته بقوة؛ الانسحاب من الأخطاء أو التراجع عنها وهي سمة القيادات التي تحترف الحكمة وتقرر مصير شعوبها.

كاتب عراقي

8