قطر.. حانت ساعة المساءلة

الثلاثاء 2017/06/13

انفجار أزمة قطر والإجراءات غير المسبوقة المتخذة من دول الخليج للضغط عليها لم يكونا مفاجئين للكثيرين لأنهما لم يتأتيا من فراغ، فقد جاءا كواحدة من أهم النتائج العرضية لمؤتمر الرياض الأخير في نهاية شهر مايو الماضي.

هذا المؤتمر قرّب المسافات بين النتائج الكارثية لفوضى الإسلام السياسي في المنطقة، وبين السببين الرئيسيين من حيث المنطلقات الفكرية والسياسية ووسائل الدعم بالمال والسلاح. كانت العلامة الفارقة في هذا المؤتمر هي الدخول في المعركة الكبرى ضد الإرهاب، من حيث كشف منابعه الفكرية وشبكات الدعم المادي ووضع سبل المواجهة، والأهم من ذلك توحيد الرؤى حول دور إيران في إثارة الاضطرابات الطائفية في المنطقة.

ويبدو أن هذا التطور في المواجهة وقرار الغالبية بشأن إيران لم يكن لهما وقعا حسنا لدى بعض دول الخليج، فقد قبلهما البعض على مضض فيما امتعضت الدوحة لأنها شعرت بأن الدائرة ستضيّق على السياسات الغامضة في مفصلي التنظيمات المتطرفة وإيران.

قبل قمة الرياض كانت الأوراق مختلطة، وكان بإمكان اللعبة الإيرانية أن تأخذ مداها في النفوذ الواسع داخل البيت الخليجي، وتتمكن طهران من إدارة الصراع مع واشنطن من الخاصرة التي تؤذيها في منابع النفط والغاز في مرحلة حساسة تعيشها المنطقة. لم تضف شيئا جديدا، فقط المراجعة الحادة بعد القرار السعودي الخليجي بالعقوبات. فما هو معروف أن قطر هي الرائدة في دعم غالبية شبكات الفوضى في العراق وسوريا وليبيا، لكن تصعيد المنظمات الإرهابية لفعالياتها التخريبية في دول الخليج دفع دوله المعرّضة أكثر من غيرها للحريق إلى دخول باب المكاشفة الجادة مع الدوحة لوقف تلك السياسات وإعادة قطر للبيت الخليجي.

فلم يعد مقبولا أن تتحول هذه الأزمة بين قطر وأخواتها في الخليج إلى “زعل عربان ينتهي بتبويس اللحى” ويتم استغفال المواطن الخليجي والعربي تحت دوافع الحرص على وحدة دول الخليج، وتستمر “حليمة على عادتها القديمة” وقد يأخذ مسلسل الإيذاء والتخريب أشكالا أكثر دهاء. وهنا لا نطلب نكئا للجراح والتصعيد، فالوضع العربي لا يتحمل المزيد من التفكك، لكن هذه الأزمة حركت الكثير من الدول والقوى الخارجية المرتعبة من احتمالات ما سيحصل للحالة القطرية، لكي تتدخل ليس حبّا في قطر.

فتركيا أصدرت قانونا سريعا يبيح لها التدخل العسكري في قطر، والبعض الآخر لا يحتاج إلى مثل هذه القوانين، فالقاعدة الأميركية العديد موجودة وطهران مستعدة للتدخل بمجرد نداء من الأمير القطري.

جميع أهل النفوذ والمصالح مستنفرون الآن، فهناك اتفاقات ومشاريع سياسية وعسكرية متشابكة تم الاشتغال عليها وفك رموزها مما قد يساعد على إنهاء أزمات المنطقة، وليست دول الخليج لوحدها. ولكن لا بد من أن تؤدي الوضعية الحالية مع قطر إلى مراجعة جدّية للسياسات القطرية التي أضرت بمصالح الشعب القطري أولا والخليجي ثانيا ودول المنطقة العربية ثالثا. وقفة المراجعة هذه لا ترتبط بالسنوات الأخيرة وظهور داعش على المسرح فقط، فهناك إرث يمتد لخمس عشرة سنة سابقة، وواقعة دعم الاجتياح العسكري الأميركي للعراق في مارس 2003 ليست خافية على أحد من حجم الأضرار التي تحملّها العراقيون نتيجة التسهيلات القطرية للمحتل الأميركي.

قد تقول الإمارة القطرية إننا لم نكن لوحدنا من سهّل الطريق للجنود الأميركان إلى بغداد، فهناك شركاء عرب وغير عرب، لكن ذلك لا يعفيها من المسؤولية تجاه شعب العراق، كما لا يعفيها ما نفذته من سياسات بعد استقرار الجيش الأميركي في هذا البلد، مثل دعمها لفصائل المقاومة العسكرية السنية ذات الخلفيات الإخوانية ضد المحتل الأميركي. مارست الدوحة سياسة مزدوجة للتعامل مع السياسيين العرب السنة، صنعت أصنافا من بينهم ودفعت لهم المال وتحولوا إلى تشكيلات تم الزج بها في الانتخابات بعنوان الدفاع عن السنة، فيما دعمت بالمقابل فعاليات معارضة للعملية السياسية مثل هيئة العلماء المسلمين.

لم تكترث قطر بحملات التشكيك التي انطلقت في الأوساط السياسية العراقية إزاء هذا التخريب السياسي المغلف بالدفاع عن سنة العراق، ولم تقتصر هذه الفعاليات على العراق لوحده بل امتدت إلى سوريا ومصر وليبيا، وليست صحيحة التبريرات القائلة بأن ذلك الدعم هو للإسلاميين المعتدلين، وهناك وقائع كثيرة تتحدث عن إمكانيات نفوذ للدوحة لدى التنظيمات المتطرفة.

ودائما ما تتم صفقات إطلاق سراح لمختطفين أو أسرى داخل مسرح العمليات الحربية في سوريا من خلال جهات قطرية رسمية تتفاخر بها للتعبير عن قدراتها على التأثير على المنظمات المتطرفة مثل جبهة النصرة، متوهمة بأن ذلك السلوك سيعطيها حجما تتفوق به على السعودية، وفضيحة صفقة إطلاق سراح الصيادين القطريين في العراق الشهر الماضي ليست بعيدة حيث تم نقل مليار دولار إلى الخاطفين في طائرة رسمية قطرية بصورة مباشرة إلى مطار بغداد وتم التحفّظ عليها من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي لأسباب غير معروفة، واضطر إلى كشفها من دون تحديد لتفصيلاتها المريبة.

أمام هذا السجل الحافل بالإيذاء هل تمتلك القيادة القطرية جرأة القيام بمراجعة جدية مع العائلة الخليجية توضع من خلالها على طاولة الأخوة جميع الكشوفات وتتم الاستجابة لمتطلبات الأمن القومي الخليجي المهدد بالتدخلات الإقليمية والدولية. فهناك سلسلة من بنود المراجعة والاستجابة أساسها الابتعاد عن التبريرات ورمي الأسباب على الغير أو إبداء حسن النية فقط، أو التعنّت بإدعاءات رفض “الوصاية”. المساءلة ترتكز وفق الرغبة السعودية والإماراتية والبحرينية على المحاور التالية:

أولا إن احتضان قيادة قطر للقادة والكوادر الإسلامية المتطرفة أو المدعية للاعتدال لم يعد مقبولا، وعلى الدوحة البدء في إجراءات ترحيلها وغلق الملاذات الآمنة لها، وقطع منابع تمويلاتها داخل قطر أو خارجها. والمطالبة بطرد جميع أعضاء حركة حماس وتجميد حساباتهم البنكية وحظر التعامل معهم وتسليم أعضاء الإخوان المسلمين المتواجدين في قطر إلى مصر،

ثانيا الصراع والاستقطاب المتنامي لإيران في المنطقة أخذ مناحي خطيرة تهدد كيانات بعض دول الخليج وفي مقدمتها السعودية والإمارات والبحرين تحت عنوان التأجيج الطائفي، ولن تكون كل من عُمان والكويت وقطر في مأمن من ذلك، فالحرب السياسية والإعلامية الحالية بين محور إيران وحلفائها من جهة، والسعودية والخليج من جهة ثانية ربما تقود في لحظة من لحظات الانفلات إلى حرب مسلحة المستفيد الأول منها إسرائيل ومؤسسات السلاح في أميركا.

ثالثا هناك شكوى سعودية وخليجية دائمة مما تبثه قناة الجزيرة من برامج تحريضية طائفية مسيئة لأهل الخليج والعرب، ما يدعو قطر إلى التخلي عن هذا المشروع الإعلامي أو غلقه.

الطريق أمام قطر واضح لوصولها إلى الأمن والاستقرار بنزعها أثوابا لم تعد تناسب حجمها وظرفها، وأهمها مغادرة أوهام القوة والاقتدار والابتعاد عن ملاعب الكبار.

كاتب عراقي

8