قطر شقت صف المعارضة وحرفت الثورة السورية عن مدنيتها

تأتي القرارات الجريئة التي اتخذتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر واليمن، إلى جانب الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، ضد قطر لتكمل سلسلة الخسائر التي منيت بها الدوحة منذ فشل مشروع تمكين الإخوان من السلطة في مصر وتونس، وتحولها إلى تمويل الأطراف المتشددة المسلحة في ليبيا وسوريا بعد أن فشلت أيضا في المسعى ذاته. تقف الأزمة السورية اليوم كدليل على الاتهامات الموجهة لقطر بدعم التنظيمات المتشددة وتتطلع المعارضة إلى عاصفة الغضب العربية تجاه قطر مطالبة بمراجعة علاقة المعارضة السورية مع قطر والالتحام بالصف الخليجي لمواجهة التحديات والمحافظة على وحدة المصير.
الأربعاء 2017/06/07
صناعة قطرية

لندن – لعبت قطر دورا كبيرا في الأزمة السورية على عدة أصعدة عسكرية وسياسية. وساهمت تدخلاتها في تحريف الثورة السورية عن مسارها المدني وذلك بعسكرة أجسام الثورة لتهيمن عليها يد الإسلاميين.

قامت قطر بتفكيك الجيش الحر (الذي يمثل ضباطا محترفين منشقين عن جيش الأسد) عبر ضخ دعم عسكري ومالي كبير للفصائل الإسلامية التي أزاحت هؤلاء الضباط وأرسلتهم إلى مخيمات العسكر في تركيا.

وعملت على الهيمنة المطلقة على العمل السياسي للمعارضة عبر العبث في أول جسم سياسي للثورة (المجلس الوطني السوري) حيث قامت قطر بدعم الإخوان المسلمين والإسلاميين المتشددين في الهيمنة على المشهد السياسي.

منذر آقبيق: وجود جبهة النصرة كان له أثرا بالغ السلبية على الثورة السورية

وعندما لاحظت الدوحة أن المجلس الوطني السوري لا يلبي مطالب المجتمع الدولي نظرا للهيمنة الإسلامية عليه، قامت بتفكيك المجلس الوطني وتشكيل الائتلاف الوطني بطريقة تضمن نقل النفوذ الإخواني من المجلس إلى الائتلاف بشكل مبطن وليس ظاهريا وتحافظ على مقراته في إسطنبول كوسيلة لضمان التحكم المطلق على تحركاته بالتعاون مع الأتراك.

يرى منذر آقبيق، الناطق باسم تيار الغد السوري المعارض، أن دخول دولة قطر في حالة تنافس مع الدور السعودي في دعم الثورة السورية تسبب في حصول تجاذبات حادة ضمن المعارضة السياسية والمسلحة. ويقول آقبيق لـ”العرب” إن “الدور القطري أدى إلى انقسامات كانت ذروتها عند تأسيس الجبهة الإسلامية بدعم قطري تركي عام 2013 وانشقاقها عن الجيش الحر وسحبها الاعتراف بالأجسام السياسية المعارضة كمظلة شاملة”.

ويعتبر المعارض السوري أن “لوجود جبهة النصرة التي أعلنت أنها تابعة لتنظيم القاعدة ضمن تلك التشكيل العسكري أثرا بالغ السلبية على الثورة السورية وتفوقها الأخلاقي على النظام لدى المجتمع الدولي والتي هي في الأساس ثورة من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية وهذه المبادئ تتعارض بشكل جذري مع أيديولوجيا القاعدة، و(السلفية الجهادية) بشكل عام”.

يعتقد المعارض السوري كمال اللبواني أنه لم تكن هناك نية حقيقية لدى المجتمع الدولي لدعم الثورة السورية، ولذلك ولغرض الأحكام والسيطرة عليها وضبطها تم تشكيل المجلس الوطني.

ويقول اللبواني لـ”العرب”، “عندما استمرت الثورة وامتدت كانوا يطلبون منا التحاور مع النظام، وعندما لم يفلحوا، تم اختراع المجلس الوطني بهيمنة إخوانية واضحة، بمساعدة دولية من تركيا وقطر والولايات المتحدة”.

كمال اللبواني: الإخوان اخترعوا المجلس الوطني بمساعدة دولية من تركيا وقطر والولايات المتحدة

ويضيف “لقد طلب مني عدة مرات من قبل السفير الأميركي أن أتعاون مع الإخوان لكونهم منظمين، مسلمين معتدلين… مع أننا كنا ننتقد دور وهيمنة جماعة الإخوان الذين تعمدوا إفراغ مؤسسات الثورة من مضمونها لإتاحة المجال لتنظيمهم بالإمساك بكل شيء، المال والدعم والتسليح وحتى القرار السياسي الذي بقي بيدهم وحتى الآن”.

تمكين الإخوان

يشير اللبواني إلى أن توجه قطر واختلافها مع السعودية أدى إلى انقسام المعارضة “وعند تشكيل الائتلاف لعبت قطر بالتشكيل، وبعد أن كان مقررا أن يكون فيه 35 عضوا وجدنا ضعف العدد المتفق عليه، حيث زادت حصة المجلس (ممثل الإخوان) من عشرة أعضاء إلى ثلاثين عضوا، واخترعت كيانات وهمية مثل المجالس المحلية وأضافت شخصيات محسوبة على تنظيمات إسلامية مما جعل قرار الائتلاف بيد الإخوان مرة أخرى”.

ويشير الكاتب السعودي المتابع للشأن السوري غازي الحارثي إلى دور قطر السيء في مجمل الأحداث السورية، ويقول الحارثي لـ”العرب”، “بشكل عام كان دور قطر يمثل جزءا من المشكلة وليس الحل، باعتبار أنها قامت بدور تكاملي مع النظام السوري عندما منح الأرض المتوترة والملتهبة لتجمع الجماعات الإرهابية عليها ونشوء الصراع الأهلي القائم، فيما قطر منحتهم المنبر الإعلامي وأوصلت أصواتهم إلى المجتمع العربي والخليجي على وجه التحديد، هذا عدا تمويلها المباشر وغير المباشر في دعم جماعات على الأرض تابعة للإخوان المسلمين والقاعدة، كما أن علاقاتها المكشوفة مع حزب الله من جهة وجبهة النصرة من جهة أخرى لم تساهم في حل الأزمة بقدر ما ساهمت في تغذية الصراع”.

وينوه الحارثي إلى السيطرة القطرية على مسار المعارضة السياسية والعسكرية في سوريا، ويوضح ذلك “حاولت قطر خلق وجه إسلاموي للائتلاف السوري، وأثبتت هذه الخطوة فشلها في وقت مبكر بل أدخلت الأزمة السورية في دوامات جديدة وهذا كان بداية إضعاف الفصيل الأكثر توحدا منذ بداية الأزمة السورية وهو الجيش الحر”.

جبر الشوفي: قطر الممولة الرئيسية للفصائل الإسلامية بالسلاح

ويضيف الحارثي “أن دور قطر مكشوف، وهو صناعة المرتزقة وهذه مشكلة دول المال التي لا تملك استراتيجيات عقلانية تحمي حدودها وأمنها واستقرارها وتدفعها للتنمية والاستثمار الحيوي، وبسبب ذلك تسببت الدوحة في تعطيل الكثير من المساعي الدولية لحلحلة الأزمة السورية بسبب تصرفات جانبية من هذا القبيل”.

أما الباحث السوري نواف خليل، مدير مركز الدراسات الكردية، فيذكّر بالأدوار القطرية والتركية الخفية التي كانت تفاوض النظام مع بدء الثورة السورية على ضمان مكاسب سياسية لتنظيم الإخوان. ويقول خليل لـ”العرب”، “أعتقد في زخم التطورات ربما نسي البعض كيف بدأت الثورة السورية من خلال تظاهرات عارمة وتدفق شعبي هائل في مواجهة النظام. ونتذكر كيف أن قناة الجزيرة كانت تتعاطى مع ما يجري باستحياء. كل ذلك كان نتاجا للتنسيق القطري التركي لأن وزير الخارجية التركي آنذاك داوود أوغلو كان يتحرك لتأمين مشاركة الإخوان في الحكم في سوريا وحينما فشلت تلك المساعي بدأ الإعداد التركي القطري لتحويل مسار الثورة نحو العسكرة وهو ما كان يسعى إليه النظام السوري إلى حد كبير. نجح الأتراك والقطريون في مسعاهم وكان ذلك بداية انحراف الثورة نحو تسليم قيادة الثورة للإخوان”.

قطر والمجلس الوطني السوري

يوضح المعارض السوري جبر الشوفي (أحد مشاركي ربيع دمشق وعضو في لجان الدفاع عن الحريات) الدور القطري في التلاعب بصفوف الثورة السورية عبر الإسلاميين مشيرا في تصريحات لـ”العرب” إلى أنه “منذ تشكيل نواة المجلس الوطني في إسطنبول، بهيمنة الشخصيات الإسلامية والإخوان المسلمين، راحت تتحرك في مدى الرغبة القطرية سياسيا، و قدم الدعم المالي للمجلس الوطني والعسكري لبعض الفصائل المسلحة، بالتنسيق مع الجانب التركي الرسمي أوغير الرسمي، وسرعان ما تجلّى عن تشكيل جبهة النصرة 2012 قبل انشقاق داعش عنها، وتمّ في مرحلة لاحقة تأسيس حركة أحرار الشام، ودعموا تشكيل هيئة حماية المدنيين التي وزعت السلاح والمساعدات على الفئات، التي تقبل بالولاء للإخوان المسلمين وتحرم غيرهم”.

ويضيف “لقد كان واضحا أن التحرك القطري يجري على أرضية الخلاف مع السعودية ومن أجل أن تفوز مع حلفائها بإدارة الملف السوري وأخذه باتجاهات العسكرة، وعلى ضوء هذا الخلاف، كان يجري الاقتتال بين الفصائل الموالية لقطر والفصائل الأخرى، ويجري تصعيده وبأشكال الصراع الأخرى تبعا للمناخ السياسي السائد الذي يخدم قطر”.

نواف خليل: كلما تم وضع حد للتدخل التركي القطري ازداد الأمل في إنهاء مأساة السوريين

ويكشف الشوفي دور قطر في دعم الإرهاب عبر تفكيك الجيش الحر وتمويل الجماعات الإسلامية. ويقول “كانت قطر الممولة الرئيسية للفصائل الإسلامية بالسلاح والتي أخذت تميل إلى التطرف وإعلان أيديولوجيات ومشاريع إمارات ودول عابرة للحالة الوطنية، وتقوم بتمرير الشحنات عبر الأراضي التركية وبالتنسيق معها، حيث تتم فلترة السلاح ومنع هذا وإرسال ذاك، وتسليمه لبعضها وشراء ولاء الأخرى وحرمان غيرها، وطبعاً كانت اليد التركية هي العليا، في مسائل السلاح والدبلوماسيات ووصول ممثلي الفصائل العسكرية إلى الائتلاف والضغط على تحركات ممثليه، فقد منعت ممثليه غير الموالين أكثر من مرة، من الدخول إلى أراضيها بحجة أو بأخرى”.

يأمل الشوفي أن تواجه قوى الثورة السورية تدخلات الثلاثي (قطر تركيا والإسلاميين) حيث يقول “إننا نعول على الرئاسة الجديدة للائتلاف من الليبراليين الوطنيين مع عدد من المخلصين فيه بإعادة هيكلة الائتلاف، ورفده بطاقات جديدة لم تحترق لا بالفساد المالي ولا بالتبعية السياسية، وهي بحاجة لآليات عمل تتجاوز التفكك والتبعية والشللية، والالتفاف حول مشروع وطني جامع للسوريين، بمختلف قومياتهم وطوائفهم وتنظيماتهم السياسية والمدنية، ووضع جبهة الأصدقاء أمام مهامها الحقيقية وتحديات الحالة السورية، وضرورة إيجاد حلول سياسية واقعية، تتحقق لجميع الدول المعنية تقاطع مصالح مستقبلية هامة، وتحديد العدو من الصديق ووضع خطة واضحة لمواجهة الإرهاب بأشكاله كافة وأولها إرهاب سلطة الأسد وحماتها الإقليميين والدوليين”.

دعم عربي للمعارضة السورية

يدعو الشوفي الأصدقاء الحقيقيين أن يقوموا بإنقاذ المعارضة والثورة من قطر وأدواتها. ويقول “المطلوب من الأصدقاء أن يتمركزوا بمساعدتهم على مطالب الشعب السوري العادلة، وأهمها حقه في نيل الحرية والكرامة والتغيير السياسي الجذري لسلطة الاستبداد والإجرام، وأن يضعوا قضية الانتقال السياسي نحو الديمقراطية كقضية أولية، تقوم على إيقاف عدوان النظام والقوى الحليفة الإقليمية والدولية وتحقيق الاستقرار ووقف عمليات التهجير الديموغرافي ومختلف أساليب التجويع والاعتقال، وإجراء الانتقال السياسي وفق قرارات جنيف”.

ويعتقد نواف خليل أن هناك فرصة لإخراج المعارضة من الهيمنة الإسلامية وذلك وفق آلية تقول “كلما تم وضع حد للتدخل التركي القطري ازداد الأمل في إنهاء مأساة السوريين”. ويقول “الدولتان هما سببان مباشران في إفشال الاتفاق بين المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق والتي كان حزب الاتحاد الديمقراطي جزءا منها، ونص الاتفاق على إسقاط الأسد فلولا تركيا وقطر كان من الممكن أن يتطور الاتفاق وخاصة بما يملكه الكرد من إمكانيات من جغرافيا محررة وقوات عسكرية بات حليفا للولايات المتحدة وهنا أودّ القول إذا ما ظهرت أطراف من المعارضة بعيدة عن تركيا – قطر والإسلام السياسي يمكن أن يتحول الشمال السوري إلى منطقة يبنى عليها على الصعد كافة”.

غازي الحارثي: يجب إعادة النظر والتدقيق في التعمق القطري داخل الفصائل السورية المقاتلة

ويضيف لا بد من مطالبة الأطراف السورية التي تدعي المعارضة وتحاول أن تكون لها علاقات مع قطر وتركيا بالوضوح في موقفها، وأول ما يمكن العمل عليه وضع حد للائتلاف الذي صادر قرار الكثير من السوريين. أن تقوم المعارضة بنقل مقراتها من هاتين الدولتين مثلا إلى الأردن لتستطيع العمل بحرية واستقلالية أكبر وبالتالي المساهمة في إيجاد حل سياسي. إعادة النظر في التشكيلات السياسية والعسكرية والإعلامية لأنها باتت عبئا على السوريين. مازلت اعتقد أن هناك من بين السوريين من يمكنه العمل على إعادة الأمل”.

يدعو غازي الحارثي المعارضة السورية للاستفادة من الموقف العربي الموحد ضد العبث القطري، ويقول “مثلما تم طرد قطر من التحالف القائم في اليمن بسبب ما كُشف حول تواصلها الاستخباراتي مع الحوثيين فتجب إعادة النظر والتدقيق في التعمق القطري داخل الكثير من الفصائل السورية المقاتلة.. هذا نذير خطر والدولة التي تلعب على المتناقضات بادعاء دعم الثورة السورية والسعي لإسقاط الأسد لا يجب أن تكون لديها علاقات طيبة مع حزب الله والنصرة والقاعدة وهذا ما ينطبق على قطر”.

ويرى منذر آقبيق أن من الممكن أن يكون الحل في سوريا أسهل، وأن إمكانية تقديم سيناريو لذلك كان سيكون أقوى لو لا خلاف قطر مع بقية دول الخليج التي تدعم الثورة السورية.

ويقول “من الطبيعي أن يتسبب انشقاق المعارضة السورية بشقيها المسلح والسياسي في إضعاف الثورة وعدم قدرتها على تحقيق أهدافها المنشودة، وتسببت تلك التجاذبات الإقليمية في إفشال كافة الجهود لتوحيد القوى الثورية وكان كل جهد في هذا الاتجاه يتم وضع العصي في العجلات بحقه على الفور وكانت الأيادي الخفية معلومة لدينا (في إشارة إلى قطر)”.

ويدعو آقبيق قطر إلى العودة إلى الإجماع العربي والتراجع عن المواقف الخلافية. ويرى أن القضية السورية تأتي ضمن وحدة المصير العربي والخليجي، ويقول “يجب ألا ننسى أن ما يهدد الخليج يهدد سوريا أيضا، إيران والمتطرفين”.

6