قطر.. صراع الوجود بين مصر وأثيوبيا

الأربعاء 2013/09/25

التحركات القطرية في سيناء، باتت معلومة، باعتماد الجماعات التكفيرية والمسلحة على الدوحة، التي اختارت التوغل في الشأن المصري بطريقة أكثر انحيازاً، منذ الإطاحة بالإخوان من سدة الحكم في مصر.

لكن اختراق العمق المصري لم يعد بالسهولة نفسها، التي كانت عليه بالنسبة لأمراء الدولة الصغيرة إبان حكم الإخوان، والإجراءات الأمنية التي يقوم بها الجيش المصري في سيناء دفعت بالقطريين إلى البحث خارج الحدود عن ثغرات يمكن توظيفها لإزكاء حالة عدم الاستقرار التي يعاني منها المصريون منذ ما يزيد عن عامين.

إن الدور الذي تريد قطر لعبه في المنطقة يتطلب أولا نقل الثقل الإقليمي من المركز إلى الأطراف، وحدوث انحلال جزئي للمنظومة التي تتحكم في انسجام القوى الكبرى التي تمثل حالة التوازن النسبية في المنطقة. كان الربيع العربي كفيلا بإيجاد هذه الحالة من الانحلال، بقطع الخيط الرفيع الذي كان يربط بين القوى المتحكمة في التوازن، ويجمع مصالحها معا في أغلب الوقت.

لكن الثورة التي أطاحت بحكم الإخوان في 30 يونيو، جاءت بمثابة محاولة عفوية لتخطي مرحلة الربيع العربي ومعطياتها، وميل جماعي للخروج من بؤرة الانحلال الإقليمي، والعودة مجددا إلى المنظومة القديمة التي كانت تتحكم في حالة الاستقرار النسبية التي اعتادت أن تشهدها المنطقة منذ سقوط الخلافة العثمانية. ويبدو أن قطر قررت العودة للمربع الأول في كفاحها لزحزحة هذا الثقل من القاهرة خارج المنطقة العربية. لذلك كان إرسال أديس أبابا إشارات توضح أنها تبحث عن دور جديد بين دول حوض النيل، كافيا لدفع الدوحة إلى التفكير في الاتجاه جنوباً، ومحاولة خلق نقطة ضاغطة على المركز، مع تغيير بسيط في مصدر هذا الضغط لكي ينتقل من شبه الجزيرة العربية إلى أفريقيا. إن انسحاب الإمارات والصين وكوريا الجنوبية، وكذلك البنك الدولي من مشروع تمويل سد النهضة مثل عائقاً أمام الحكومة الأثيوبية في مساعيها لتوفير التمويل لتنفيذ هذا المشروع، بالإضافة إلى انسحاب السعودية المؤكد كذلك في المستقبل، لعدة أسباب على رأسها أن الرياض هي نقطة ارتكاز من بين النقاط المتعددة التي تبحث عن إعادة التوازن إلى المنطقة من خلال رسم العلاقة فيما بينها على أسس ومعطيات أكثر وضوحا، وتتناسب مع المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، وهو ما يتعارض مع انخراطها في هذا المشروع، إذ قد يؤدي ذلك إلى اصطدامها بالقاهرة، التي تحاول استعادة دورها في المحيط العربي.

ورغم الحصار الإقليمي الذي تشهده التحركات القطرية، من قبل قوى سياسية واقتصادية متعددة، إلا أنها تدرك أن المشكلات الداخلية التي تواجه المصريين كفيلة بإبعادهم عن الدور الذي ينبغي أن يناط بهم في الشرق الأوسط، وانشغالهم بقضية المياه التي قد تتطور في أي لحظة إلى صدام عسكري بين دول حوض النيل، ربما يتسبب في ظهور فراغ إقليمي، ومن ثم تحاول قطر ملأ هذا الفراغ.

ولأنها، لا تسعى إلى تحقيق أية أهداف أبعد من مجرد ظهورها كلاعب مهم على الطاولة السياسية في المنطقة؛ فإن قطر تلجأ عادة إلى من يشترك معها في الرؤية، ومَن من الممكن أن يحافظ توسعها على مصالحه تطبيقا لنظرية الفيلسوف الأميركي أرنولد نيبور، التي أثبتت أن الأفراد يصبحون أكثر عدائية عندما يتخلون عن حالة الانعزالية ويختارون الانضمام إلى كيانات أو تجمعات، وهو ما ينطبق أيضاً على المنظمات والدول. لذلك فعادة ما يحدث التقاء بين التحركات القطرية من جهة، وبين مشروعات القوى الغربية أو حلفائها في المنطقة من جهة أخرى، وهو ما يترجم في سد النهضة، وما يحمله من طموحات إسرائيلية بالتحكم في حصة مصر من مياه النيل، والعبث بأمنها القومي.

قرار قطر برفع حصتها في تمويل سد النهضة يخرج بها من نطاق صراعات الجغرافيا؛ ويضعها في قلب صراع التاريخ. هذا الصراع، الذي استمر بين العرب وإسرائيل منذ أكثر من 60 عاماً، حاولت مصر أن تضع نفسها منه في القلب، وقدمت تضحيات تفوق في عددها وتأثيرها، الأعوام التي مرت على المنطقة منذ نشأت دولة قطر، ليقابل هذا بعبث أخ أصغر لا يشبه الأخوة في شيء. خصم لن يتمكن من الارتقاء إلى مستوى خصومة دولة كمصر ولو بعد حين.


كاتب صحفي مصري

8