قطر في لعبة عض الأصابع بين القاهرة وأنقرة

الأحلام الأردوغانية سرعان ما سوف تبدأ بالتهاوي. وسوف يتعين على أردوغان أن يتعقلن في العلاقات مع أوروبا، وأن يتخلى عن تطلعاته المتوسطية.
الجمعة 2020/07/24
دعم المشروع الإخواني.. رهان خاسر

القول إن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد لا يُصغي إلا لمستشاري الإرهاب، قد لا يكون صحيحا. فهو ربما كان يُصغي لمنطق العقل والحكمة، ولو في بعض الأحيان.

إعلان إبراهيم قالن، المتحدث باسم الرئاسة التركية، بأن أنقرة لا تريد مواجهة مع مصر، وإعلان مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي، أن الحل سياسي في ليبيا، بعد أيام فقط من قوله إن وقف إطلاق النار لا يفيد حكومة طرابلس، وامتناع تركيا عن الرد على الضربة الجوية لقاعدة الوطية، كل ذلك، يمكنه أن يوحي بأن ممول الحفلة التركية في ليبيا، ربما قال لمأجوره في أنقرة ألا يذهب إلى خوض مواجهة عسكرية مع مصر، لأن قطر سوف تدفع الثمن باهظا، في الحالتين، إذا هُزمت تركيا وإذا انتصرت.

إذا كان ذلك استدراكا حقيقيا، فلا بد أن تكون له بقية. فالمرء لا يخطو مع المنطق نصف خطوة من دون أن يتمها. المنطق لا يستقيم إلا إذا تم.

في لعبة عض الأصابع، يخسر من يصرخ أولا. وقد خسرت تركيا اللعبة حتى من قبل أن تبدأ. وهي بإعلانها المسبق أنها لا تريد مواجهة عسكرية مع مصر، تكون قد أعلنت خروجها من اللعبة. وعلى هذا الأساس، فلا حاجة للجرجرة ولا للمماطلات.

أسباب الهزيمة المبكرة لتركيا مفهومة للجميع. فهي برغم كل العنتريات التي ظل يمارسها رجب طيب أردوغان، كشفت أنها نمر من ورق.

جيشها ضعيف. وهو لا يثق بأردوغان، وهذا الأخير لا يثق به أيضا، ولهذا السبب فإنه يستعين دونه بمرتزقة. وسياساتها هشة. وموقف أردوغان الدولي هزيل، وليس لديه صديق واحد في أوروبا. ومثلما يضحك عليه دونالد ترامب، فإن فلاديمير بوتين يسخر منه أيضا. واقتصاد تركيا على حافة هاوية. وهناك عوامل ضعف أخرى لا تقل سوءا.

بقي، أن بلدا في وضع كهذا، لا يحق له أن يفرض شروطا، ولا أن يماطل في مطالب. وخير له، بما أنه قبل الهزيمة المبكرة، أن يمتثل لكل المطالب التي تحددها له القاهرة.

القاعدة المعروفة تقول: من لا يجرؤ على الحرب، لا يكسب السلام. على الأقل، لا يحق له أن يفرض شروطا.

أي مماطلة، سوف تزيد الوضع سوءا، لأنها سوف تكشف عن ضعف أشد. وفي المقابل، فإن أي محاولة للتصعيد في محاولة لرفع سقف المطالب، قد تنتهي بتحويل الهزيمة إلى استسلام مذل.

عندما تتراجع، فخير لك أن تتراجع بالقليل من المذلة، من أن تُجبر عليه. ففي ذلك الوقت سوف تجر خلفك ذيول الخيبة فوق المذلة.

ماذا يعني هذا بالنسبة لقطر؟

الدوحة، كما هو ظاهر، حاولت أن تستقوي بتركيا. وحوّلتها إلى وكيل يقوم بالنيابة عنها بدعم جماعات الإرهاب.

اللعبة تبدو الآن خاسرة، سواء من جهة الاستقواء بنمر من ورق، أو من جهة دعم المشروع الإخواني عن طريق قوة هي ليست بقوة.

الأحلام الأردوغانية سرعان ما سوف تبدأ بالتهاوي. وسوف يتعين على أردوغان أن يتعقلن في العلاقات مع أوروبا، وأن يتخلى عن تطلعاته المتوسطية.

فإذا تهاوى الغطاء الذي ظلت تتستر به الدوحة لعدة سنوات، فالسؤال هو: ما قيمة المحافظة عليه؟ وإذا ما بدا أن المشروع الإخواني بات بلا ستر ولا سند، فما هو مبرر الاستمرار في الدفاع عنه؟

السند نفسه كان هزيلا ومؤقتا من الأساس. فأردوغان ليس في وضع يسمح له بالبقاء في السلطة لوقت طويل. ولا حزبه قادر على أن يسترد المكانة التي بدأ بها. وهناك من الدوافع، والخطايا، الكثير الذي يبرر للأتراك أن يطووا صفحته إلى الأبد. على الأقل لأن انتهاكات نظامه طالت مئات الآلاف من البشر. وقاد البلاد من كارثة إلى أخرى حتى لم يبق لأردوغان من مخرج سوى أن يذهب بمشكلاته إلى الخارج. وعندما فعل، عاد منها بالفشل.

لم يكن من الصحيح، بالنسبة للدوحة، أن تضع بيضة واحدة في سلة أردوغان. فما بالك وقد وضعت كل بيضات دعم المشروع الإخواني في تلك السلة؟

نحن نعرف، عن طريق الخبرة والتجربة والدليل، أن هذا البيض فاسد. فهل هناك ما يبرر أن نشم الرائحة عندما يعود ليتهشم؟

المشروع الإخواني نفسه، وليس أردوغان، لم يعد هناك ما يبرر الدفاع عنه، ولا الإنفاق عليه.

والأمر لا يتصل بصلاته مع منظمات الإرهاب، ولا بانكشاف خدعة الاعتدال المزعوم، ولا حتى بعزلته في الشارع، بل لأنه لم يسفر إلا عن تجارب فاشلة، ولم ينتج إلا أنظمة إفلاس وفشل، وظل يقدم الدليل تلو الآخر على أنه قوة ظلام وتخلف عقلي، وانحطاط ثقافي وصعلكة في السياسة والإدارة والسلطة.

الركض وراء مطية كهذه، لا يمكنه، بحسب التجربة على الأقل، أن يثمر أي نتيجة يمكن البناء فوقها. إلا الخراب. وهذا مما لا تزعم قطر أنها تقصده، رغم أننا لا نرى سواه.

منطق العقل والحكمة يقول إنك لست بحاجة إلى أن ترى الهزيمة على أرض الواقع لكي تعرف أنها قادمة. تكفي بعض المؤشرات، لعلها توفر لك الفرصة لانسحاب “مشرف”.

والشيء الوحيد المشرف، في كل هذه المحنة، هو أن يركب الشيخ تميم طائرته ليقوم بجولة تحمله إلى الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة، ليرأب الصدع من أوله. ولينزع من الصدور كل ما ظل يغلي فيها بسبب ما تحملته هذه العواصم من أذى ومظالم.

هناك سوف يمكنه أن يجد أي تبرير يشاء لأخطاء الماضي. وكل تبرير سيكون قابلا للاحتواء أو القبول إذا ما أعلنت قطر التخلي كليا عن سياسات التخريب، وأن تتبنى سياسات بديلة تقدمها كقوة بناء وتعاون وتنمية.

لعب دور إيجابي يظل أمرا ممكنا، واستعادة المكانة اللائقة، ممكنة أيضا بالاستدراك الصحيح، التام والشامل.

والحال، فكلما جاء ذلك أسرع، كلما كانت الآلام أقل والعائدات أفضل.

لقد ركبت قطر، في السباق من أجل المكانة، حصانا خاسرا. ولئن أنفقت العشرات من المليارات لدعم مشروع فاشل، فقد حان الوقت، لكي تضع للخسارة حدا فاصلا ونهائيا.

وقل الحمد لله أن مواجهة بين مصر وتركيا لم تقع. ولا الحرب اندلعت، لأن العاقبة كانت ستكون كارثية على الدوحة، بمستوى لا يمكن حتى للخيال أن يتصوره.

وما هذه إلا فرصة يوفرها القدر. إنها الفرصة الوحيدة التي يحسن بالمخطئ أن يمسك بها بيديه وأسنانه لكي يتجاوز بها خطاياه.

انظر إليها إذا ضاعت، وسترى حجم الفرق بين الهزيمة المنكرة والاستدراك المبكر. على الأقل لكي لا تقرع طبول الفشل في أذن من آثر ألا يُصغي لمنطق العقل والحكمة.

8