قطر لاعب سيء في السياسة وفي الكرة أيضا

يوما بعد يوم، تتساقط أوراق قطر كاشفة عن صحة خطوة المقاطعة التي أقدمت عليها الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة. وباركت جهات حقوقية ومؤسسات دولية هذه الخطوة في وقت تجاهلت فيه عواصم المجتمع الدولي تحذيراتها، بل إن البعض يذهب إلى القول إن بريطانيا ما كانت لتقترح استضافة كأس العالم 2022 بدلا عن قطر، رغم اطلاعها على التقارير التي تؤكد عدم شرعية حصول الدوحة على هذا الشرف الكروي، لولا النتائج التي أفضت إليها المقاطعة. ولأن قضية تجلب وراءها أخرى، فإن حبات عقد السياسة الخارجية القطرية تنفرط شيئا فشيئا مع كل كشف عن تورط جديد لقطر، من ذلك إعلان مكتب المدعي العام السويسري فتح تحقيق بحق ناصر الخليفي، الرئيس التنفيذي لمجموعة بي ان والأمين العام السابق للفيفا جيروم فالك على خلفية شبهات فساد.
السبت 2017/10/14
فشل في التصويب وتسجيل الأهداف

باريس – تحولت قطر خلال أعوام إلى لاعب أساسي على الساحة الرياضية العالمية، في خطوات أدت إلى فوزها باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، إلا أن شبهات الفساد التي تلاحقها قد تؤدي إلى تقويض “قوتها الناعمة” الرياضية وتنتهي بسحب شرف استضافة أكبر حدث كروي في العالم. وأصبح ذكر قطر يأتي مصحوبا بتهم عديدة موجّهة إليها: تجاوزات وفساد في إسناد تنظيم كأس العالم 2022، واتهامات بانتهاك حقوق العاملين في مواقع بناء الملاعب المُخصّصة للحدث الرياضي، بعض الأراضي التي تبنى عليها المنشآت الرياضية في إطار هذا الحدث هي أراض تم أخذها قسرا من أصحابها.

في خضم الجدل المتصاعد حول أحقية قطر في استضافة كأس العالم في ظل الحديث عن رشاوى وفساد في الفيفا لمنح الدوحة هذا الامتياز، فجر مكتب المدعي العام السويسري قضية جديدة تتجاوز في أبعادها مسألة كأس العالم لتطال تلاعبا في عملية منح قطر حقوق البث الحصري لمباريات كأس العالم وأشهر الأدوار الأوروبية واحتكار كبرى المباريات وأكثرها متابعة، أوروبيا وعربيا، وهي قضية لطالما كانت مثار جدل وغضب منذ إطلاق قناة الجزيرة الرياضية ثم بي ان سبورت، حيث تسببت قطر مرات عديدة في إثارة غضب الكثير من عشاق الكرة بعد أن وجدوا أنفسهم مجبورين على “دفع الجزية” لتشجيع فرقهم الوطنية ومتابعة البطولات العربية والأوروبية التي اشترت القنوات الرياضية القطرية حقوق بثها.

وأعلن المكتب السويسري الخميس (12 أكتوبر 2017) فتح تحقيق بحق القطري ناصر الخليفي، رئيس نادي باريس سان جرمان الفرنسي والرئيس التنفيذي لمجموعة بي ان سبورت، والأمين العام السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الفرنسي جيروم فالك، على خلفية شبهات فساد في منح حقوق بث مباريات المونديال.

وانطلق هذا التحقيق بشأن فالك والخليفي، منذ 20 مارس، على خلفية تهم تشمل “رشوة أفراد، والاحتيال (…) وتزوير مستند”. وأضاف مكتب المدعي العام “يشتبه بأن جيروم فالك قبل تقديمات غير مستحقة من رجل أعمال في مجال الحقوق الرياضية على صلة بمنح الحقوق الإعلامية لبعض الدول لكأس العالم لكرة القدم 2018 و2022 و2026 و2030، ومن ناصر الخليفي على صلة بمنح الحقوق الإعلامية لبعض الدول لكأس العالم 2026 و2030”.

وغداة إعلان المدعي العام السويسري فتح تحقيق بشأن الخليفي وفالك أكدت الشرطة الإيطالية تفتيش ومصادرة فيلا وضعها ناصر الخليفي بتصرف جيروم فالك. وأوضحت الشرطة أن الفيلا الواقعة في منطقة بورتو تشيرفو والتي تقدر قيمتها بنحو سبعة ملايين يورو “شكلت وسيلة فساد استخدمها ناصر الخليفي” لصالح فالك “من أجل الحصول على حقوق النقل التلفزيوني العائد إلى كأس العالم لكرة القدم بين 2018 و2030”. ويقول سايمون شادويك، الأستاذ المتخصص في مأسسة الرياضة في جامعة سالفورد البريطانية، “إذا أخذنا هذه الاتهامات على حدة، سيكون سهلا اعتبار أن ما جرى (الخميس) عبارة عن ممارسة مشكوك بها في رياضة يطبعها تدفق لا متناه من المخالفات”. ويضيف “لكن هذا ليس حدثا معزولا، ويشكل جزءا من سردية متواصلة حول قطر والفيفا”.

هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها قطر اتهامات بالفساد على خلفية كرة القدم، إذ واجهت اتهامات بالرشى على خلفية الفوز باستضافة كأس العالم

المطلوب حل سريع

هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها قطر اتهامات بالفساد على خلفية كرة القدم، إذ واجهت اتهامات بالرشى على خلفية الفوز باستضافة كأس العالم. كما تعرضت لانتقادات على خلفية حقوق العمالة الأجنبية في ورش المونديال. ويأتي التحقيق الجديد في خضم أزمة دبلوماسية بين قطر ودول عربية في مقدمتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر التي أعلنت في يونيو قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، وأغلقت مجالاتها الجوية أمام الطيران القطري وقطعت الرحلات بينها وبين قطر.

ويقول شادويك إن الخلاف المتواصل قد ينعكس سلبا على قطر والرياضة عموما، مضيفا أنه “كلما اقتربنا من سنة 2022، أصبحت قطر مكشوفة أكثر على صعيد السمعة والإحراج، هذه مسألة كبيرة بالنسبة لقطر”.

ولم تسلم الرياضة من تبعات هذه الأزمة، إذ شهد هذا الأسبوع مواجهة كلامية بين قطر والإمارات على خلفية مونديال 2022. بعد تصريح لوزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش اعتبر فيه أنه “لا تستوي الاستضافة مع سجل في دعم التطرف والإرهاب”، رد مكتب الاتصالات في الحكومة القطرية ببيان اعتبر فيه أن الاستضافة أمر “غير قابل للنقاش أو التفاوض”. ووجدت مجموعة بي ان سبورت نفسها في خضم الأزمة الدبلوماسية، إذ أوقفت دول معنية بالأزمة بث قنواتها لفترة، ورفضت أندية في هذه الدول التعامل مع مراسلي القناة أو التحدث إليهم.

ومن اللافت للنظر في بيان المدعي العام السويسري، ذكر الخليفي بالاسم، على عكس الحال مع رجل الأعمال المتهم بالتورط مع فالك بالتهم نفسها. يعد الخليفي أبرز الوجوه الرياضية القطرية في الأعوام الماضية. وقاد صعود بي ان سبورت إلى مصاف أبرز القنوات الرياضية عالميا التي ينظر إليها على أنها إحدى الوسائل التي ساهمت في تعزيز صورة قطر الرياضية وحضورها على الساحة العالمية.

الشرطة الإيطالية تصادر فيلا في سريدينا تقول إنها شكلت وسيلة فساد استخدمها الخليفي لصالح فالك من أجل الحصول على حقوق النقل التلفزيوني لمباريات كأس العالم 2018 و2030

ويرأس الخليفي باريس سان جرمان المملوك من هيئة قطر للاستثمارات الرياضية منذ العام 2011. واشترت الدوحة النادي الفرنسي إثر لقاء جمع في نوفمبر 2010 الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، (ولي عهد قطر آنذاك)، مع مندوب فرنسا في الفيفا وقتها، ميشيل بلاتيني، والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، والشركة المالكة لنادي باريس سان جرمان، وناقشوا احتمالية شراء قطر للنادي الفرنسي العريق الذي كان يعاني ضائقة مالية، إضافة إلى بدء استثمارات إعلامية أخرى في فرنسا. واشترت مؤسسة قطر للاستثمارات الرياضية باريس سان جرمان وأطلقت قطر بي ان سبورت في فرنسا لاحقا. وفي الآونة الأخيرة، كان الحضور الأبرز للخليفي على مسرح الانتقالات، إذ أبرم سان جرمان صفقتين هما الأكبر في تاريخ اللعبة: ضم البرازيلي نيمار من برشلونة الإسباني مقابل 222 مليون يورو، وكيليان مبابي من موناكو في صفقة قدرت قيمتها بنحو 180 مليون يورو. ولدى انتقال نيمار، اعتبر محللون أن ضمه يمثل رسالة تحد قطرية في مواجهة محاولة عزلها سياسيا واقتصاديا، وحتى رياضيا.

فضائح بالجملة

تجمع بين جيروم فالك وناصر الخليفي علاقة قديمة تعود إلى مطلع الألفية الثالثة. وأصبح فالك، الصحافي السابق في شبكة كانال بلوس قبل أن يدير قناتها الرياضية سبورت بلوس، أحد رواد اكتساب الحقوق الرياضية وانضم بعدها إلى سبورت فايف، الشركة المختصة في إدارة حقوق التسويق الرياضي.

عام 2003، أوصى به الفرنسي ميشال بلاتيني لدى رئيس الاتحاد الدولي السابق السويسري جوزيف بلاتر، فانضم إلى الفيفا كمدير للتسويق وأدار على هذا النحو الحقوق التلفزيونية.

في ذلك الوقت في قطر، كان الخليفي مسؤولا في قناة الجزيرة الرياضية، التي سميت في يناير 2014 بي ان سبورت، وكان المسؤول عن إستراتيجية شراء الحقوق الرياضية والبحث عن محتويات لقنواته، وكلف شركات لنيل هذه الحقوق.

ويشرح مصدر آخر مطلع على هذه القضية “علاقة جيروم فالك وناصر الخليفي قديمة جدا وتبادلا الكثير من الخدمات”. لكن فالك نفى لصحيفة ليكيب الفرنسية أنه تلقى “شيئا من ناصر”. لكن، الوقائع تكشف أنه في 2003، وبينما كان يعمل في فيفا، تابع فالك عمله في سبورت يونايتد، وهي شركة مقرها باريس، تفاوض على الحقوق الرياضية ويملك أسهما فيها، بحسب اختصاصي في التسويق الرياضي.

تحقيق في ما يتعلق بجيروم فالك عن يكشف فحوى مكالمة هاتفية لهذا الأخير قال فيها إن "قطر اشترت المونديال"

على هذا النحو، وبحسب وثيقة حصلت عليها وكالة فرانس برس، لعب فالك دور الوسيط لحصول الجزيرة على حقوق الليغا الإسبانية لمنطقة الشرق الأوسط لموسمي 2004 و2005 مقابل 6.9 ملايين دولار أميركي. وفي عام 2010، سمى فالك الخليفي في لجنة تنظيم كأس العالم للأندية في فيفا، لجنة رأسها آنذاك الأميركي الراحل تشاك بلايزر، الذي اعترف لمكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي) بضلوعه مع آخرين في قضايا فساد كبرى أدت عام 2015 إلى إطلاق عملية واسعة لإيقاف المسؤولين الفاسدين في الفيفا.

وفي تلك اللجنة، تواجد أيضا الإسباني ساندرو روسيل، الرئيس السابق لنادي برشلونة والقريب من فالك. وأوقفت الشرطة الإسبانية روسيل في مايو الماضي في قضايا تبييض أموال بعد اتهامه بالحصول بطريقة غير شرعية على حقوق صورة المنتخب البرازيلي. وجاء في تحقيق المحامي الأميركي مايكل غارسيا في قضية رشاوى مونديال قطر 2022 أن “الاتحاد القطري عين سنة 2008 ساندرو روسيل مستشارا رسميا للملف القطري. وأظهرت رسائل بريد إلكترونية أن دوره كان أكبر من ذلك. وأصبح روسيل حلقة الوصل بين قطر ورئيس الاتحاد البرازيلي عضو الهيئة العليا للفيفا، ريكاردو تيكسيرا، وذلك لعلاقته القوية بالأخير، التي تعود إلى صفقات رياضية ضخمة في التسعينات من القرن الماضي”.

وكشف التحقيق في ما يتعلق بجيروم فالك عن فحوى مكالمة هاتفية لهذا الأخير قال فيها إن «قطر اشترت المونديال»، وهو الأمر الذي فتح التحقيقات حول جريمة شراء النفوس والتحويلات المالية لأعضاء كونغرس الاتحاد الدولي لكرة القدم، بل وفساد مالي للسويسري سيب بلاتر رئيس الفيفا المعزول لضلوعه في قضايا الفساد والحصول على رشاوى.

6