قطر من دولة راعية للإرهاب إلى دولة مارقة

السبت 2017/07/08

هذه لحظة الهدوء الذي يسبق العاصفة. دول المقاطعة تلقت ردا يحوي “اللا شيء” من قطر فردت عليه أولا بـ”اللا شيء”. ساعات ثم ألغت المطالب الـ13 برمتها.

الأمر يشبه عقاب أب لابنه نفسيا مثل أن يجعله ينتظر. انتظار العقاب دائما ما يكون أقسى من العقاب نفسه.

مشكلة الشعب القطري أن الشيخ حمد بن خليفة لديه طموح أكبر منه. ليست المشكلة في أن قطر لم تعرف حجمها الحقيقي. قطر تعرف حجمها، لكنها أرادت تخطي هذا الحجم ولعب دور أكبر منه كثيرا.

إيران هي المثل الأعلى لقطر في المنطقة. فلسفة عمل الحكومة الإيرانية هي مد الجسور الطائفية. هذه أسهل طريقة يمكن لدولة ما من خلالها بناء نفوذ من نقطة الصفر.

الشرق الأوسط اليوم هو منطقة خالية من أي مركزية. نقطة الاتزان العربية، التي لطالما حكمت منظومة العلاقات في هذا الجزء من العالم تحللت منذ أحداث ما يعرف بـ”الربيع العربي”. بدلا من “المركزية العربية” صرنا اليوم أمام نظام شرق أوسطي “عربي – إيراني – تركي”. هذا النظام الجديد هو وليد ضعف عام في المنظومة العربية، وأدوات من داخل هذه المنظومة ساعدت على قيامه.

قطر كانت رأس الحربة في تحقيق ذلك. الرؤية القطرية كانت تقوم على سؤال تخطى كل حدود الممكن: إذا كانت إيران، الغنية بمصادر الطاقة، تستطيع توظيف ثرواتها من أجل تحويل الأقليات الشيعية إلى نقاط مضيئة تخطو عليها إيران في عالم عربي لا تملك فيه إلا الحواضن العقائدية، فلماذا لا تستطيع قطر، بنت البيئة العربية وتراثها الثقافي والحضاري، فعل الشيء نفسه، وبنفس الموارد؟

ثمة فرق بين الاستراتيجيتين. إيران كان عليها خلق كيانات “ما تحت الدولة” متمثلة في حلقات أصغر داخل الحواضن الشيعية، هي الميليشيات. قطر لم تكن بحاجة إلى فعل ذلك. البنية التحتية للإخوان المسلمين والقاعدة وفروعهما كانت موجودة بالفعل. ما كان ينقص هذه التنظيمات هو كيفية استخدامها ضمن مشروع أوسع.

طوال عشرين عاما كانت الأنا القطرية تتضخم، وكان مشروعها يكبر بالتوازي. اليوم وصلنا إلى مرحلة إعجاب حقيقي بإيران.

بعد الربيع العربي صارت المنطقة أمام مشروعين إسلاميين. أحدهما شيعي طائفي، والآخر سني متشدد. المشروع الشيعي المدعوم من إيران نجح، والمشروع الإسلامي التكفيري المدعوم من قطر يشهد فشلا ذريعا.

اليوم لدى إيران رؤية واضحة ومعلنة يجسدها ممر نفوذ من طهران يمر عبر العراق ثم مدينة البوكمال السورية ودير الزور وتدمر ودمشق، وصولا إلى بيروت. قطر كانت تحلم بطريق مماثل لهذا الطريق بالضبط.

الرؤية القطرية كانت تقوم على محاولة بناء ممر نفوذ يبدأ من سوريا ولبنان مرورا بحركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة، ثم مصر تحت حكم الإخوان المسلمين وليبيا وتونس، التي تحكمها حركة النهضة، وإخوان الجزائر ثم الإسلاميين في المغرب. هذا الممر كان من شأنه أن يتحول إلى “هلال إخواني” كمعادل طائفي لـ”الهلال الشيعي” الإيراني.

الإطاحة بحكم الإخوان في مصر وضع حدا لرؤية قطر الإقليمية برمتها. 30 يونيو 2013 كانت الضربة القاضية التي طوحت قطر وأسقطتها أرضا. ما فعلته مصر والسعودية والإمارات والبحرين الشهر الماضي هو بمثابة قطع شرايين الوهم القطري، ومنحه الوقت الكافي كي يسلم بهدوء.

ما نمر به اليوم هو مرحلة هيجان وصخب طبيعية، تسبق سكون قطر لفترات طويلة. ما علينا إلا أن نجلس في هدوء وننتظر. الإجراءات لن تنهي المشروع القطري، النزيف والوقت هما من سيصلان به إلى النهاية.

إلى حين الوصول إلى هذه المرحلة سترتكب قطر حماقات كثيرة، ليس آخرها الاستقواء بإيران. قطر لا تفهم أن دول المقاطعة ألقت طعما، وتنتظر منها أن تركض وراءه.

لا يبدو أن هناك من يستوعب في الدوحة أنه كلما اقتربت قطر من إيران، كلما ابتعدت عن الولايات المتحدة. دول المقاطعة نصبت فخا كفيلا بتحويل قطر مع الوقت من دولة راعية للإرهاب، إلى “دولة مارقة” تماما، ويبدو أن قطر مقبلة على السقوط في هذا الفخ.

مع الغرب ثمة خطآن مسموح بهما دائما. هذه الرؤية حكمت علاقة المنطقة بالمنظومة الغربية بأكملها منذ الحرب الباردة. صدام حسين ومعمر القذافي استنفدا رصيدهما من الأخطاء. نهاية الرجلين حصلت من دون أن يرف لأحد جفن، لا في المنطقة ولا خارجها.

مشكلة قطر أنها اطمأنت للغرب زيادة عن اللزوم. لم يكن في الدوحة أحد يملك رؤية مستقبلية عميقة لما يمكن أن يحدث إن اختارت قطر التمادي وتخطي الخطوط الحمراء لحفظ توازن القوى في المنطقة. وصل الأمر إلى تحدي الولايات المتحدة نفسها وانتزاع حق استضافة كأس العالم 2022 عبر تقديم الرشاوى تحت أعين الأميركيين.

في النهاية انتقم الأميركيون من مسؤولي الفيفا، وقرروا تأجيل ملف قطر لما بعد الانتخابات الرئاسية. قرار التأجيل جاء لأن الرئيس السابق باراك أوباما كان يعتقد أن هيلاري كلينتون هي من ستفوز في الانتخابات، ولم يحسب حسابا لفوز دونالد ترامب. اختلاس بطولة كأس العالم لا يمكن حسابه ضمن أحد الخطأين. لكن بالنسبة لإدارة ترامب التمادي في دعم الإسلاميين والجماعات الإرهابية كان أول هذه الأخطاء.

اليوم تقف قطر على حافة السقوط في الخطأ الثاني: التحالف مع إيران. هذه خطوة كفيلة بحدوث عملية أشبه بـ”بريكست ناعم” لقطر.

“البريكست الناعم” هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون أن تخرج فعليا. إذا اختارت قطر الانتماء إلى المجال الإسلامي في الشرق الأوسط، على حساب المركزية العربية التقليدية، فستكون قد قررت الخروج من المنظومة الخليجية، دون أن تخرج فعليا.

لن تكون الإجراءات التي ستتبناها دول المقاطعة ضد قطر هي العقاب الوحيد. قطر ستعاقب نفسها أيضا دون أن تدري.

من سيخرج منتصرا هو صاحب النفس الطويل. السعودية سحبت سفيرها في الدوحة عام 2002 ولم تعيده مرة أخرى إلا عام 2008 بعد أن عدلت قناة الجزيرة من تغطيتها إزاء الأسرة الحاكمة. يبدو أن الدول الأربع مستعدة هذه المرة للانتظار لفترة أطول من ذلك بكثير.

كاتب مصري

9