قطر: هل يغامر النظام بإصلاحات قد تشكل خطرا عليه على المدى البعيد

أدلة متزايدة تظهر على أن أزمة الخليج أبعد ما تكون عن الحل حيث تضيق الحلقة حول قطر وتتضح صحة ما بنت عليه دول المقاطعة موقفها.
الجمعة 2018/03/16
لا حل يلوح في الأفق

لندن- في 5 يونيو الماضي، قاطعت مصر والسعودية والبحرين والإمارات، قطر ضمن أزمة تصاعدت واتخذت أبعادا مختلفة عن كل الأزمات التي مرت بها العلاقة بين قطر والسعودية وغيرها من دول الخليج العربي، ومصر. واعتقدت حينها، الدوحة، ومن سارع إلى النفخ في نيران الأزمة، كتركيا وإيران، أنها ستكون عابرة كسابقاتها. لكن، ما حصل هو العكس، وطال عمر المقاطعة، ولا توجد مؤشرات على أنها ستنتهي إلا في حال التزمت قطر بمطالب دول المقاطعة.

تظهر أدلة متزايدة على أن أزمة الخليج أبعد ما تكون عن الحل. وفي الواقع، شهدت الأسابيع الأخيرة المزيد من علامات التصعيد. وقد بحثت الولايات المتحدة سبلا لتوطيد علاقاتها الوثيقة مع طرفي الأزمة الخليجية. لكن، وفي حين أن هناك احتمالا بأن تقوم إدارة ترامب بعقد قمة خليجية، إلا أنه بالكاد تظهر هناك الرغبة في التوصل إلى حل وسط من جانب الأطراف المتخاصمة.

ومع مرور الوقت، تضيق الحلقة حول قطر وتتسع دائرة الاتهامات وتتضح صحة ما بنت عليه دول المقاطعة موقفها مقابل ضعف حجة قطر أمام القرائن والإثباتات التي تؤكد دورها في دعهم الجماعات المتشددة والتخطيط لزعزعة الاستقرار في دول عربية عديدة. وأدّى تطور الأزمة إلى حالة احتقان داخلية لم تعد تنفع في تهدئتها التصريحات وجولات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ووزير خارجيته الشيخ عبدالرحمن آل الثاني لدول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية بحثا عن حل للأزمة، وهو ما لن يجده هناك، لأن الحل خليجي داخلي.

وفي الوقت الذي تشكل فيه الأزمة بين رباعي المقاطعة من جهة والدوحة من جهة أخرى تحديا خطيرا على استقرار الحكومة القطرية، وخاصة بالنظر إلى خطابها وتصرفاتها، فإن الاستقرار الاقتصادي الذي توفره الاحتياطات المالية الضخمة والذي يعتمد عليه النظام القطري في تعنته الحالي لن يبقى على حاله مع تقلص الاحتياطات النقدية نتيجة الاعتماد المفرط عليها، الأمر الذي سيفرض على قطر مراجعة مواقفها منذ اندلاع الأزمة خصوصا وأن الاعتماد على الحليفين التركي والإيراني لن يفيدها كثيرا مع تعقّد الوضع نتيجة استمرار الأزمة.

ولجأ النظام القطري مؤخرا إلى ورقة الإصلاحات الداخلية علها تخفف من حالة الاحتقان المرشحة للمزيد من التصعيد حيث أطلقت الدوحة خطتها التطويرية التي تعرف باسم “استراتيجية التنمية الوطنية الثانية 2018-22″، والتي تركز على جعل قطر أكثر اعتمادا على نفسها في مواجهة المقاطعة. ومن بين أهداف الاستراتيجية زيادة نسبة الإنتاج المحلي في مجالي تربية المواشي وصيد الأسماك، ليبلغ اعتماد قطر على الإنتاج المحلي في هذين المجالين 30 و65 بالمئة على التوالي بحلول عام 2022.

 

في محاولة جديدة للتخفيف من ضغط الشارع القطري تروّج الدوحة لإجراء حزمة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والتعديلات القانونية، مثل اعتماد مشروع انتخابات مجلس الشورى الذي طال انتظاره، ومنح حق الإقامة الدائمة لأطفال الأمهات القطريات عن طريق تأسيس نظام “البطاقة الخضراء”.

لكن المتابعين للشأن القطري لا ينظرون بأمل كبير في تحقيق جديّ لهذه الإصلاحات خصوصا الاجتماعية والسياسية، مشيرين إلى أن هذه السياسة اتبعها من قبل أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بعد الإطاحة بوالده من الحكم في عام 1995، حيث كانت الإصلاحات ورقة لكسب الدعم الشعبي وكسب رضاء  القوى الدولية، وسرعان ما انتهت صلاحيتها عندما أحكم قبضته على السلطة

وتقيّم كريستين سميث، الباحثة في معهد الدول العربية الخليجية في واشنطن، حركة الإصلاح في قطر، مشيرة إلى أنه وعلى الرغم من التقارير التي تقول إن الأزمة تحفز إصلاحات تقدمية رئيسية في قطر، فإن التجربة والتاريخ يؤكدان أنه من غير المحتمل أن تُقدم الدوحة على اتخاذ إجراءات صريحة وجريئة خصوصا داخل بيئة الأزمة الحالية.

وكان من ضمن إحدى الوسائل التي اتبعتها قطر من أجل تقوية الروابط بين قيادتها وشعبها هي العمل على تمديد الحقوق السياسية، حيث انطلقت الشائعات بأن قطر ستنفذ في النهاية الخطة التي طال تأجيلها، وهي السماح بإجراء انتخابات لثلثي مجلس الشورى.

بيد أن خطاب الشيخ تميم، في 14 نوفمبر 2017، أمام مجلس الشورى الأخير أمام المجلس لم يحوِ تصريحا واضحا في هذا الشأن، بل أكد للمجلس بدلا من ذلك أن الحكومة تواصل التحضير للانتخابات، بما في ذلك صياغة التدابير التشريعية التي سيتم تسليمها إلى المجلس.

سيكون السماح للشعب بالذهاب إلى صناديق الاقتراع بمثابة تحرك جريء من جانب أمير قطر ليحظى بتأييد شعبه، لكنها ستكون أيضا خطوة محفوفة بالمخاطر، نظرا للشكوك التي يبدو أنها تحيط بهذه الخطة من أجل التمكين التشريعي والمشاركة السياسية الشعبية.

وقد كانت الخطة الأولية للانتخابات جزءا من خطة الإصلاحات التي وضعها الأمير السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بعد الإطاحة بوالده من الحكم في عام 1995، حيث عاشت قطر وقتاً مماثلا من التحديات والصعاب.

وكانت الإصلاحات وسيلة لحشد الاهتمام الدولي والدعم الشعبي وقتها. وقد توافق هذا الوعد الانتخابي مع حركات إصلاحية أخرى حدثت في نفس الوقت، منها اعتماد تمكين المرأة وتوسيع نطاق الحريات الإعلامية، بما في ذلك إنشاء قناة الجزيرة. وبمجرد أن أصبح حكم الشيخ حمد آمنا، انطفأ حماس حكومته، واقتصرت الانتخابات على المجلس البلدي، الذي يعتبر فقط هيئة استشارية.

وتقول كريستين سميث إنه من بين الأسباب التي ساهمت في التأخير المتكرر لإقامة انتخابات مجلس الشورى تصارع الحكومة مع الدوائر الانتخابية، وبالتحديد في كيفية بناء الدوائر الانتخابية التي من شأنها أن تسفر عن توازن “عادل” للتمثيل القبلي. وتضيف أن هذا الاهتمام نفسه بالملامح السياسية للقبائل، خاصة تلك التي تبعد عن عائلة آل ثاني الحاكمة، كان واضحا جدا في اعتماد قانون الجنسية لعام 2005 في قطر.

وأظهرت الإجراءات التي اتخذتها قطر مؤخرا، بحسب ما ذكره الشيخ تميم في خطابه الذي ألقاه أمام مجلس الشورى، عزم الإمارة الصغيرة على التكيف مع البيئة الخليجية المتغيرة من خلال تعزيز تحالفاتها الأجنبية واستقلالها الاقتصادي ومؤسساتها السياسية، لكن وفي حين أن أزمة الخليج قد تعجل من إعادة التوازن الجيوستراتيجي وإعادة الهيكلة الاقتصادية باعتباره أمرا ضروريا، فإن أي تعديلات أخرى تقترن بالعلاقة الحساسة بين حاكم قطر وشعبه سيتم المضي فيها بحذر شديد، ولن يغامر النظام بإصلاحات قد تشكل خطرا عليه على المدى البعيد.

للمزيد: قطر تغرق في صفقات السلاح الفائضة عن الحاجة

7