قطر والجماعات المسلحة في مالي

الجمعة 2017/06/16
التطرف والمال والإعلام

تلعب دولة قطر، الإمارة الصغيرة التي تقف على مخزون من الغاز الطبيعي وتسعى إلى أن يكون صوتها أكبر من حجمها، لعبة مزدوجة على الصعيد العربي والأفريقي.

فهي في الوقت الذي تعطي الانطباع علنا بأنها ذات دبلوماسية تصالحية في ما يتعلق بالأزمات التي تشتعل بالمنطقة، تنهج في الخفاء دبلوماسية خطيرة بقصد المزايدة على جيرانها في الخليج العربي والبحث عن “مجال حيوي” خارج حدودها الصغيرة بدعم الجماعات المسلحة وإيواء أقطاب التطرف الديني، بينما تسمح لقناتها التلفزيونية “الجزيرة” -التي هي بمثابة شاعر القبيلة الذي يهجو ويمدح مقابل أكياس من الدنانيرـ بالنقد والهجوم ضد الأنظمة العربية، وكأن قطر واحة للديمقراطية.

استفادت قطر من أموال البترول لشراء الجماعات المسلحة وضمان ولائها، معتقدة أنها بذلك ستنجح في تحويلها إلى حلفاء أو شركاء في حال تمكنها من الوصول إلى السلطة.

وهذا ما قامت به في ليبيا عام 2011 بدعم الجماعات المسلحة التي قاتلت ضد معمر القذافي، حيث دفعت بسخاء لزعماء تلك الجماعات، بل وفسحت لهم المجال للظهور في قناتها مقدمة إياهم كـ”نخب” جديدة في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

وظهرت الأيادي القطرية بشكل واضح في الصراع الذي اندلع في مالي قبل خمس سنوات بين الجماعات المسلحة التكفيرية وحكومة باماكو. فقد أعلنت الدوحة منذ اليوم الأول وقوفها ضد التدخل الفرنسي لطرد المسلحين والحيلولة دون وصولهم إلى قلب العاصمة، وفي خطوة لإظهار وجه دبلوماسيتها التصالحية دعت إلى الحوار بين المسلحين والحكومة، بهدف السماح للجماعات المسلحة بأن يكون لها نصيب من السلطة، وهو ما يتجاوب مع طموحاتها، وردد يوسف القرضاوي، الذي أصبح بمثابة بوق لهذه الإمارة الخليجية المزعجة، نفس المبررات، حيث احتج على التدخل الفرنسي وصوّره كما لو كان حربا ضد الإسلام لا ضد جماعات مسلحة تريد بناء الخلافة فوق بركة من الدماء.

الصحافيان الفرنسيان كريستيان شيسنو وجورج مالبرونو كشفا في كتابهما المشترك الذي صدر العام الماضي تحت عنوان “أمراؤنا الأعزاء”، الذي يرويان فيه تغلغل قطر في فرنسا وشراء الدوحة لبعض المسؤولين السياسيين الفرنسيين، كيف أن قطر متورطة في دعم وتمويل الجماعات المقاتلة في شمال مالي منذ العام 2012.

القرضاوي احتج على التدخل الفرنسي في مالي وصوره كما لو كان حربا ضد الإسلام لا ضد جماعات تريد بناء الخلافة

فقبيل التدخل الفرنسي في شمال مالي، في يناير 2013، للتصدي للجماعات المسلحة، سحبت الدوحة على عجل ثلاث طائرات قطرية كانت موجودة بالمنطقة يشتبه في أنها كانت محمّلة بالأسلحة والعتاد والأموال للمسلحين. ويقول المؤلفان إن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عقد تحالفا مع أمير قطر وسمح للدوحة بالتسلل إلى مفاصل الاقتصاد والسياسة في فرنسا، كما تبادل مع قطر المصالح الاستراتيجية في عدة مواقع مثل ليبيا الذي ظهر فيها التنسيق واضحا بين باريس والدوحة خلال الحرب ضد نظام العقيد القذافي عام 2011، لكن وصول فرنسوا هولاند إلى السلطة عام 2012 غيّر مجرى الأمور، إذ أدار هولاند ظهره إلى الإمارة الصغيرة وانفتح على المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة الأكثر استقرارا في منطقة الخليج واللاعب الرئيسي

فيها.

وبحسب تحقيق أجرته يومية “لوكانار أونشيني” الفرنسية في الفترة الأخيرة، فإن قطر قدمت حقائب من الدولارات لفائدة الجماعات الناشطة في شمال مالي، وفقا لاعترافات مسؤول عسكري فرنسي كبير، وخاصة جماعة أنصارالدين المنضوية تحت مظلة تنظيم القاعدة.

وخلال الفترات الماضية ظلت المساعدات المالية والعسكرية والغذائية القطرية تتقاطر على شمال مالي، عبر مطاري غاو وتمبكتو، من خلال منظمة “قطر الخيرية” التي تتخذ منها الدوحة واجهة لتمويل الجماعات المتطرفة، ما دفع عمدة غاو إلى توجيه نداء إلى فرنسا بالتدخل للحد من النفوذ القطري ووقف تمويل الدوحة للجماعات المسلحة. كما يعتقد أن قطر أوفدت عناصر أمنية متخصصة إلى شمال مالي لتدريب أفراد الجماعات المسلحة الذين تم تجنيدهم، خصوصا من جماعة أنصارالدين. وفي الصيف المالي سجل وجود أربعة مسؤولين قطريين من الصليب الأحمر القطري، المنظمة غير الحكومية الدولية الوحيدة المسموح لها بدخول المنطقة، كانوا يتجولون في شمال مالي تحت الحراسة الأمنية لمسلحين تابعين لحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا.

وفي الوقت الذي كانت تعتقد الدوحة أن تلك السياسة تجري طي الكتمان، سرعان ما تم الكشف عن التفاصيل والمخططات السرّية التي قادتها إلى نسج تحالفات غير بريئة مع تنظيمات يضعها المجتمع الدولي على قائمة الإرهاب، وهو ما أوقعها في تناقضات حادة ما بين التعايش داخل البيئة الخليجية وبين فتح حديقة خلفية تريد من خلالها اللعب وراء أظهر شركائها.

13