قطر والمقامرات الفاشلة

السبت 2013/11/23

لطالما بدت «الحالة القطرية» مثيرة للتساؤلات وللتأويلات طيلة السنوات الماضية، بما حاولت الإمارة الصغيرة والثرية اصطناعه لنفسها من أدوار، وما عملت على الإمساك به من ملفات تعتمد في معظمها على التسرب من شقوق الخلافات وصدوع الصراعات والمواجهات والنفاذ من الجراح المفتوحة في منطقة تتناوشها الجراح من كل زاوية.

في هذه الصدوع والشقوق والجراح ينشط «العامل القطري» نشاطاً ملحوظاً، وتتدفق الأموال لتُشترى الذمم والمواقف، ويتبدل حال القوى والحركات والأحزاب، فيما مسؤولو قطر رائحون غادون منتفشون كالطواويس، يفرزون التصريحات والتعليقات منتشين ببريق فلاشات الكاميرات، وقد سكِروا بصورهم في صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزة العالمية، ينظرون إليها فيتجشؤون رضا عن الذات وامتلاء بها، ظانين أنهم يعلّمون الدنيا دروساً، فيما هم في الحقيقة يقدمون أوضح الأمثلة على الفشل.

في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في 14 نوفمبر 2013، ورد تعليق لشادي حميد، مدير الأبحاث في مركز بروكنجز الدوحة، يقول فيه متحدثاً عن سياسة قطر: "إذا كان لديك أموالا طائلة، فلماذا لا تحاول استخدامها في التأثير على الأحداث الإقليمية وترك بصمتك الخاصة؟". وفي مقولة شادي حميد كثير من الدلالات التي يجب أن نتوقف عندها، فرغم ما تدل عليه من فهم «كارثي»، فهي تنطوي على فضيلة لا تُنكر الصراحة.

يكشف حميد، عامداً أو غافلاً، عن عين ما أريد الإشارة إليه. هناك أموال طائلة، واستخدام الأموال «الطائلة» في تحقيق أهداف الدولة أمر مشروع تماماً، لكن إنفاق الأموال الطائلة لـ"ترك بصمتك الخاصة" ليس أكثر من جريمة يُحاسب عليها من يقترفها. إنفاق الأموال الطائلة لمجرد إثبات الذات علامة على إحساس مرضي بالضآلة، وإهدار لما هو حق للدولة ولمواطنيها من أجل علاج أخرق لعقد نفسية دفينة. ولست أدري هل قصد شادي حميد قصداً بهذه العبارة إبراز ذلك المعنى، أم هي الحقيقة تتفلت من اللسان في لحظة يصعب بعدها تدارك ما قيل؟

تستخدم النظم الرشيدة ثروات دولها في ضمان التنمية ووضع أسس لاستدامتها ومضاعفتها وتوجيهها إلى مصارف تستفيد منها أجيال عديدة. وليست ضخامة الثروات التي حبا الله بها بلداً من البلدان مبرراً للسفه أو إنفاق الأموال بغير حساب ولخدمة «تلميع» زائف لصورة فرد أو أفراد، فليس مثل هذا الجهد أكثر من رماد تذروه الرياح وزبد يذهب جفاء. وجهود التلميع الزائفة تنقلب في العادة على أصحابها، ولا يحظون إلا بسوء الخاتمة ورداءة السيرة، وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟.

أصبحت «الحالة القطرية» هذه تفرز كثيراً من الأعراض الجانبية على صُعُد شتى، فها هو النائب العام القطري، علي بن فطيس، يخرج بتصريحات مثيرة للأسى والشفقة على ما آل إليه الحال بين «النخب» القطرية. ففي محفل عام يطلق للسانه العنان في توجيه اتهامات إلى بعض الدول بنهب أموال دول عربية أخرى، فيما يعترف هو نفسه بأن «التحقيقات لا تزال جارية». ولم يحفظ سعادة النائب العام لمنصبه القضائي جلاله وارتفاعه فوق الأغراض الصغيرة، وقدَّم صورة لا تليق برجل القضاء الذي يُسند إليه المجتمع مهمّة حماية أفراده والحفاظ على حقوقه.

إن منصبكم يا سعادة النائب العام يفرض عليكم ألا تنجروا إلى هذه المهاترات السياسية، وأن تكونوا أكبر من توظيفكم لمساندة طرف على حساب طرف خدمة لأهداف قصيرة الأجل، سينتهي أمدها ومفعولها بعد حين، ويبقى اسمكم إلى أبد الدهر تطارده سقطة الخروج عما يُفترض في القاضي من نزاهة وتجرّد وحياد.

إنه لما يثير الأسى، أن يلجأ رمز من رموز العدالة إلى الغمز والتلميح والتعريض بأشقائه، وأن يلقي تهمه جزافاً بلا دليل أو برهان؛ فهذا مما نتوقعه في مشاجرات النسوة «الخاطئات» في أوكار الرذيلة، ومن الشتّامين المستأجرين في القنوات الفضائية التي تقع على مقربة من مكتبه، ولكننا لا نتوقعها من الرجال الذين نتوسم فيهم بعض خُلُق، فكيف بمن يجلس على أشرف منصة، ويتوقف على كلمة يطمئن إليها وجدانه وضميره مصير آلاف من البشر وأرواحهم وأرزاقهم وسمعتهم وشرفهم؟ إن الغمز والتعريض يا سعادة النائب العام مما لا يليق بكرام الناس، ومما تأنف منه نفوسهم، ومما يحتاج منك إلى استعادة القاضي الذي بداخلك لتحاسب نفسك على كلماتك بتجرد ونزاهة. ولو فعلت يا سعادة النائب، فلربما أصدرت حكماً قاسياً على نفسك.

ولو وقفت أمام ضميرك الإنساني والقانوني يا سعادة النائب العام، لكان ستة آلاف قطري من أبناء قبيلتك «المرة»، الذين سحبت جنسياتهم بغياً وظلماً وألقوا على الحدود خارج قطر في نزوة فاجرة وبقرار اتخذ في لحظة واحدة، أولى منك بالاجتهاد في الدفاع عن حقوقهم عوضاً عن إذلال عنقك حرصاً على الدنيا ومكاسب بخسة تدفع كرامتك وشرفك ثمناً لها.

لا يحتاج الفشل القطري إلى دليل، فقد عصف أول ما عصف بأبرز من غرتهم الأماني وتوهموا أنهم يصنعون أعظم النجاحات. ويبدو لهاث قطر المحموم وراء المكانة وقد بدأ ينقلب عليها. ففي ملف كأس العالم لكرة القدم تحولت قطر إلى «كرة» تتقاذفها الأقدام. فها هو جوزيف بلاتر رئيس «الاتحاد الدولي لكرة القدم» يصف يوم 20 نوفمبر 2013 وضع العمالة الوافدة في قطر بأنه «غير مقبول بالمرة»، ويطالب قطر «باتخاذ إجراءات ملموسة بحلول شهر مارس 2014 لوضع حل لهذه القضية». وتصريحات بلاتر حلقة من مسلسل يبدو أنه سيمتد آلاف الحلقات حتى عام 2022، وستظل تدفع «أموالاً طائلة» من التي تحدث عنها شادي حميد. ومن يقدم نفسه فقط على أنه يملك «أموالاً طائلة» عليه أن يتحمل تبعات الطريقة التي قدم بها نفسه.

بدلاً من أن يصبح الفوز بتنظيم كأس العالم مبعث فخر وطني، أصبح الخاصرة الضعيفة التي تؤلم قطر وتوجعها كل يوم؛ فقد أصبحت قطر بفعل كأس العالم «محبوسة في زاوية الحلبة»، تتلقى اللكمات وتحاول اللجوء إلى مخزون «الثروة الطائلة» فيغري هذا الحل الملاكمين بمزيد من توجيه اللكمات المربحة. وهكذا تتواصل اللعبة التي لا يعلم أحد إلى أين تنتهي.

بذلت قطر جهودها لتحقيق نصر معنوي باستضافة كأس العالم، واعتبرت وصولها إلى هذه الغاية نجاحاً ما بعده نجاح، فما هي مفردات الصور الذهنية التي ارتبطت بملف كأس العالم القطري؟ إنها: الرشوة- الفساد- الثراء الفاحش أو الفحش الثري- اضطهاد العمال- انتهاك حقوق الإنسان… وقائمة أخرى من السلبيات يبدو أن أمد استغلالها وتسليط الأضواء عليها سيطول.

المكانة، يا أشقاءنا في قطر، إذا كان منكم من يستمع إلى النصيحة، لا تُشترى، بل يصنعها عمل جاد معتدل لمصلحة الدولة ومواطنيها، وليس لمصلحة أشخاص يغامرون ويقامرون ليختلقوا نجاحاً زائفاً سرعان ما يصبح حبالاً تلتف حول رقبه من تعلقوا بها. فهل أنتم مُبصرون؟!


كاتب إماراتي

8