قطر وعلاقتها مع إسرائيل.. من دور العراب إلى القائم بالأعمال

الأحد 2017/08/06

تأسست العلاقة بين قطر وإسرائيل منذ مؤتمر مدريد للسلام بين إسرائيل والعرب، وبوجه خاص مع الفلسطينيين (عقد في نهاية أكتوبر 1991). غير أنها في ذلك الوقت اكتفت بمدّ جسور بين الدولتين ضمن صيغة التقارب في المنطقة، واستنادا إلى تشكيل نظام دولي جديد دعا إليه جورج بوش الأب، بعد انتصار التحالف الدولي على العراق وإخراجه من الكويت. ويبدو أن قطر سعت لتكون جزءا منه، وكان المدخل هو أن تصبح عرَّاب إسرائيل في الدول العربية، عبر التجارة والسياسة والإعلام.

انتظرت قطر خمس سنوات لتجسِّد تلك العلاقة بطريقة تحقق المصالح وتبتعد عن السياسة، مستفيدة من تجربة السلام المباشرة بين مصر وإسرائيل، وتجربة هذه الأخيرة والأردن، وقد تمَّ الإعلان عنها من خلال إنشاء علاقات تجارية في 1996 ظهرت في افتتاح المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، وتوقيع اتفاقيات بيع الغاز القطري لإسرائيل، ثم إنشاء بورصة الغاز القطرية في تل أبيب.

وتمكنت إسرائيل من كسر حاجز المقاطعة الإعلامية العربية لإسرائيل عبر قناة الجزيرة، من خلال شعار “الرأي والرأي الآخر”. وقد اتضح بعد سنوات أن الرأي الآخر مقصود به كل من يُسْهم في دفع الدول العربية إلى الفوضى والتفكك والفتنة وبث الشائعات من الداخل، مع إعطاء صورة مختلفة لذلك لجهة القول “بتأييدها الإصلاح والديمقراطية والتغيير في الوطن العربي ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد”.

المهم هنا أن قطر عملت ـ ولا تزال ـ على الترويج للحوار الإعلامي والسياسي مع إسرائيل، بحجة أن السبيل الأوحد لحل القضية الفلسطينية هو الدخول في حوار مباشر مع إسرائيل عبر تهيئة الرأي العام العربي لذلك. وتجاهر قطر بعلاقتها مع إسرائيل وترجع ذلك إلى أمرين: الأول أن العلاقات الدولية في إطار العولمة تغيّرت عن صيغتها القديمة، حيث يمكن الجمع بين الاختلاف بين دولة وأخرى في قضية ما، والتعاون وتبادل المصالح مع نفس الدولة في قضية أخرى.

وعلى خلفية الطرح السابق، لم يعد مسموحا بعلاقة منفردة لدولة بعينها في بعض المسائل المشتركة، ومنها معاهدة التجارة الحرة، فهذه الاتفاقية لها شروطها، ومنها أنه لا توجد مقاطعة بين الدول المشتركة فيها، وتبعا لتلك الشروط أقامت قطر علاقة مع إسرائيل، ثم إن العلاقة الجيّدة مع إسرائيل أدَّت إلى علاقات ممتازة مع الولايات المتحدة في جميع المجالات،

ومنها إنشاء قاعدة العديد، التي انطلقت منها الطائرات الأميركية لقصف العراق في 2003.

وتدّعي قطر أن علاقتها بإسرائيل مهدت السبيل لحل قضايا كثيرة وتسوية أوضاع معيّنة يعرفها الفلسطينيون والإسرائيليون، وهذا الموقف يساندها فيه أنصارها، خاصة التنظيمات الإسلامية ومنها جماعة الإخوان المسلمين. والواقع أن الدور الإعلامي لقطر الخاص بالتغيير في المنطقة بما في ذلك الشأن الفلسطيني لا يتأتى من الدعم المالي واللوجيستي للأحزاب الدينية وإنما من تحقيق أجندة قائمة على إضعاف الدول العربية لصالح أعداء الداخل والخارج.

ويتمّ إضعاف الدول العربية عبر صراعات دموية داخل الدولة الوطنية على غرار ما حدث بين حماس والسلطة الوطنية في فلسطين، أو بين الجيش والإخوان المسلمين في مصر، أو بين الجيش والميليشيات الإسلامية في سوريا، أو بين الميليشيات الدينية والشعب في ليبيا، أو حتى في الحالة التونسية، حيث يتم دفع مجتمع بمرجعيتيْه إلى حال من الفوضى باسم التغيير.

تتحرك قطر في علاقتها مع دولة الكيان الإسرائيلي عبر ثلاثة مسارات: الأول: المسار التجاري، ولها مبرراتها وحججها على ما تقوم به، لعل من أهمها تغيّر العلاقات الدولية، إضافة إلى توظيف الموارد الاقتصادية في خدمة السياسة، من ذلك على سبيل المثال تزويد إسرائيل بالغاز وإلى مدة غير محدودة وبأسعار رمزية بعد توقف إمدادات الغاز الطبيعي إلى إسرائيل من خلال خط الأنابيب المصري الواقع في سيناء بعد أن فجّرته الجماعات الإرهابية التي تعمل لصالح إسرائيل، وإن ادّعت غير هذا.

المسار الثاني: هو المسار السياسي ويتّخذ طابعا سرّيا في الغالب، مدخله، في أحيان كثيرة، تحريك مفاوضات السلام بين العرب وإسرائيل، ومن ذلك على سبيل المثال لقاء سرّي جمع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالشيخ حمد بن جاسم (خلال توليه رئاسة الوزراء) في باريس للحديث عن موضوع السلام الفلسطيني وصفقة التبادل مع جلعاد شاليط، والعلاقات بين قطر وإسرائيل، ومنها عمل حكومة قطر على تذليل كل الصعاب أمام إسرائيل وتقديم تسهيلات كثيرة لها من طرف مسؤولين وشركات قطرية كبرى في محاولة لدعمها لدخول المنطقة تحت مسميّات تجارية علنية وسرية، بحسب ما ذكر سامي ريفيل مؤلف كتاب “قطر وإسرائيل.. ملف العلاقات السرّية”.

أما المسار الثالث فهو إعلامي ويتميّز باتجاهين، الأول يخص الإعلام الموجه إلى الداخل القطري، وهو يبدي جفاء تجاه إسرائيل، وأحيانا تجاهلا، والاتجاه الثاني الإعلام الموجه إلى الخارج، وهنا يظهر دور قناة الجزيرة التي تطرح خطابا إعلاميا يبدو للوهلة الأولى مُعاديا لإسرائيل لكنه في النهاية يخدمها بالدرجة الأولى، حيث يتيح لها فرصة للتعبير عن مواقفها من الأحداث سواء أكانت داخل فلسطين أم خارجها. وهناك من أصبح، على المستوى العربي، مؤيدا لمواقف إسرائيل الظالمة واحتلالها لفلسطين على خلفيَّة ما تبثه قناة الجزيرة، بل هناك من السوريين من أيَّد قصف إسرائيل لبلاده بحجة عداوته للنظام ويجد السند والدعم في تلك القناة.

مهما يكن، فإن قطر تجاوزت مرحلة العرّاب إلى دور القائم بالأعمال الإسرائيلية في المنطقة، واجتهاداتها وتدخلاتها في دعم المتناقضات على النحو الذي قامت به في الأيام الماضية بعرسال ـ لبنان، ليست سوى دليل على أنها مُكَّلفة بالحضور بما يخدم أمن إسرائيل ووجودها واستمراريتها، رغم أن الدوحة تسهم في الدعم المادي لضحايا فلسطين بعد أن عملت على شق الصفوف بين سياسييهم.

كاتب وصحافي جزائري

4