قطر وقشر موز المواجهة في ليبيا

الحرب إذا اندلعت بين تركيا ومصر في ليبيا سوف تنقلب وبالا على قطر مباشرة، والعاقل لا يقامر بكل شيء وهو يعرف أنه خاسر في الحالتين.
السبت 2020/07/11
شراكة خاسرة

شيء واحد يجب أن يفعله أمير قطر الشيخ تميم بن حمد الآن، من دون تردد، ولا حتى أي تفكير. أن يرفع الهاتف إلى مأجوره رجب طيب أردوغان ليبلغه الرسالة التالية “سوف نواصل منحك الأموال التي طلبتها، ولكن مقابل ألا تخوض تركيا مواجهة عسكرية مع مصر. هذه المواجهة يجب تحاشيها بأي ثمن، ومهما كانت النتائج المرجوة منها، وبصرف النظر عن أي شيء”.

ولكن لماذا، والكل يعرف أن قطر تمول العدوان التركي في ليبيا، وتدعم سياسات التمدد العثماني في المنطقة؟

لماذا والكل يرى أن غدد قطر الإعلامية لا تفرز هرمونات تحريض وكراهية أكثر مما تفرز ضد مصر؟

لماذا يتعين على قطر أن تخسر استثماراتها السابقة في إنتاج العصابات الإخوانية وتسليحها وتمويلها لكي تكون تهديدا مباشرا لمصر؟

ثم ما الذي يدفع قطر إلى أن تنقلب على نفسها، هكذا دفعة واحدة؟

هناك واقع غير منظور يتوجب التمعن فيه الآن. الحرب إذا اندلعت بين تركيا ومصر في ليبيا، سوف تنقلب وبالا على قطر مباشرة، كائنة ما كانت النتيجة. والعاقل، لا يقامر بكل شيء وهو يعرف أنه خاسر في الحالتين.

المؤشرات الإستراتيجية كلها تشير إلى أن تركيا لن تكسب هذه الحرب إذا اندلعت. ولكن، انظر إلى المسألة من زاوية أخرى: أن تكون قطر هي الممول الرئيسي للحرب ضد مصر يعني أنها وضعت قدمها على قشر موز في مواجهة قوة عربية كبرى. وهي لن تنجو بعظامها، بصرف النظر عن أي نتيجة.

مصر هي مصر في النهاية. وأن تجد دولة لا تعرف إلا بالكاد كيف تحمي نفسها أمام غضب مصري عارم، فإن العاقبة لن تكون وخيمة فحسب، ولكنها ستكون عاقبة أبدية، لن تخرج قطر منها بسلام مهما فعلت من بعد ذلك.

100 مليون مصري سوف يقلبون عالي الدنيا سافلها على قطر إذا سقط لهم قتلى وجرحي وخسائر عسكرية في مواجهة تركيا في ليبيا. وبصرف النظر عمن يكسب أو يخسر، فالنتيجة هي ذاتها.

هذا قشر موز خطير. ويحسن بقطر ألا تتزحلق فيه.

تركيا لن تقدر على خوض مواجهة رابحة مع مصر. لا الجغرافيا تساعدها، ولا التقنيات العسكرية، ولا حتى الخبرات القتالية. مصر لا تستعرض قوتها أيضا. ولا تلوح بها. ولا تأخذ بلغة التصعيد. وهذا جزء من طابع الثقة العالية بالنفس. وهناك ما يكفي من الدلائل على أن مصر تقف وراء الدعوات لضمان وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا، والسعي إلى حلول سلمية، ليس خشية من المواجهة، ولكن لكي تدفع الأمور بالتي هي أحسن. وتحاول عبر هذا السبيل أن تُظهر للعالم، وللحلف الأطلسي على وجه الخصوص، أنها تبذل كل ما تستطيع من أجل تحاشي الخيار العسكري. حتى الخطوط الحمر التي أعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسي، كانت نوعا من وضع الحقائق الميدانية في نصابها الراهن من أجل معادلة لا غالب ولا مغلوب فيها. وهذا أقرب إلى العدل والإنصاف تجاه طرفي النزاع، بمن فيهما تلك العصابات التي تمولها قطر وتدعمها تركيا بالسلاح والمرتزقة. إنه خيار أراد أن يقول للطرفين معا: تعالوا إلى كلمة سواء بينكم. ضعوا حدا لانفلات الأوضاع بما يضمن للجميع فرصة متساوية لدى العودة إلى الشعب الليبي لكي يقول كلمته الأخيرة.

لقد بدت تلك الخطوط الحمر، وكأنها تحذير. ولكنها كانت في الواقع، مسعى سلميا لحفظ التوازن القائم. كما كانت تعبيرا عن الثقة بأن الشعب الليبي، يستطيع إذا ما تراجعت فورة الطغيان، أن يقرر بنفسه ما يراه مناسبا لمصالحه. ولا شيء عدائيا تجاه تركيا، ولا حتى تجاه قطر، التي لا تكف غددها عن إفراز هرمونات التطرف تجاه الليبيين أنفسهم.

هذا واقع يقول إن مصر تتصرف بمقدار عال من الحصافة والهدوء والثقة بالنفس. ولكنها، تستعد بالهدوء نفسه أيضا. وخطط المواجهة أصبحت جاهزة.

لا يقول الرئيس السيسي شيئا، وهو ابن المؤسسة العسكرية، قبل أن تكون الخنادق قد تجهزت. ويستطيع المرء، إذ ينظر إلى خبرات الجيش المصري، الذي خاض معارك السويس وسيناء، أن يرى بجلاء، أن تركيا، بكل ما لديها من قدرات، لن تصمد أمامه، ولا حتى لأيام.

الجغرافيا ليست وحدها هي العامل الحاسم. إنها الخبرة والإمكانيات بالدرجة الأساس، التي لا تتوفر تركيا إلا على جزء محدود منها.

قواعد اللعبة العسكرية يمكن أن تتحدد انطلاقا من تلك الخطوط الحمر أيضا. وبفشل تركيا في جر الأطلسي، بسبب المعارضة المعلنة لمعظم أعضائه للدور “الإجرامي” (بحسب تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون) الذي تلعبه تركيا في ليبيا، فإن أنقرة ستجد نفسها عارية إلا من دعم قطر المالي.

والمال ليس كل شيء في المواجهات العسكرية. إنه في الحقيقة لا شيء على الإطلاق.

مصر لم تُهزم حتى في مواجهة إسرائيل. خسرت معركة 67، ولكن الخسارة ظلت تحز في صدرها حتى حققت نصرا مؤزرا، اجترحت فيه معجزات لم تكن لتخطر على بال الجن الأزرق.

مصر لم تُهزم أبدا. إنها أثبت على الأرض من أهراماتها. والتاريخ هو الشاهد.

في المقابل، فإن هزيمة تركيا في ليبيا سوف تكون هزيمة تامة لكل مشروع قطر التخريبي في المنطقة. وسوف تتردد أصداء الهزيمة في الدوحة كما لا تتردد في تركيا نفسها. والحريصون على هذا المشروع هناك، لا بد لهم أن ينظروا إلى أي مواجهة عسكرية بين مصر وتركيا على أنها مقامرة بكل شيء على طاولة روليت لا يوجد فيها رقم رابح أصلا. أو قل إنها، روليت روسية بمسدس محشو بالرصاص عن آخره، وليس برصاصة واحدة.

ولكن، هب جدلا، أن مصر خرجت من المواجهة بهزيمة من نوع ما، فهل يمكن لقطر أن تنجو بما موّلت وحرّضت؟ يكاد الواقع المرئي أن يقول: ما ذلك إلا قشر موز، سوف تتزحلق فيه قطر على حجر صلد، حتى لا تبقى فيها عظام إلا وتهشمت.

قطر، ستكون هي المهزوم في الحالتين. فكن عاقلا، واتصل بمأجورك فورا.

8