"قـاع".. مسرحية تجريدية تبحث في طبائع الحياة ومصائرها

عرض شبابي يعمد إلى التجريد لدحض ونقد مشاهد يومية صارت معتادة وسلوكيات يقترفها الإنسان في حياته جراء الجشع والطمع.
الجمعة 2021/01/08
تساؤلات حول المكان والزمان والطبيعة الإنسانية

تدور الكثير من الأسئلة حول ماهية الحياة وجدواها في خلد كل إنسان عبر مراحل عمره المختلفة، لكن سرعان ما تتوارى خلف ضرورات البحث عن سُبل البقاء. وفي خضم تلك الرحلة يصير الإنسان في مواجهة تحديات أخلاقية وإشكاليات فلسفيّة لا تنتهي إلا بموته. كما نرى في العرض المسرحي المصري “قاع”.

تشهد القاهرة حالة من النشاط المسرحي، على الرغم من أجواء كورونا، فبعد اختتام مهرجان المهن التمثيلية لفعاليته، افتُتحت الدورة الـ13 من المهرجان القومي للمسرح المصري خلال الفترة من 20 ديسمبر وحتى الرابع من يناير، تحت عنوان “دورة الآباء”، احتفالًا بمرور 150 عامًا على المسرح المصري.

جاء العرض المسرحي “قـاع”، لفريق كلية الهندسة بجامعة المنصورة، ليكون واحدًا من العروض المتنافسة للحصول على جائزة المهرجان لأفضل عرض.

فلسفة مسرحية

المسرحية تفضح الأفكار والنزعات العنصرية التي تخلق صراعات متجددة يشهدها القاع ولا مفر منها سوى بالموت

يعمد العرض المسرحي إلى التجريد لدحض ونقد مشاهد يومية صارت معتادة وسلوكيات يقترفها الإنسان في حياته جراء حالة جشع وطمع ما فتئت تنمو مع رغبته الحثيثة في البقاء والاستمرار على حساب حياة الغير.

ورغم الوعي الإنساني بأن الحياة سقوط إلى القاع سُرعان ما تنتهي بالصعود نحو الموت بعد رحلة قصيرة، فإنه يظل مُتمسكًا بطمعه وجشعه وبأنانية تجعله يضطهد غيره ويمارس سلوكيات عنيفة وعدوانية تجاه الآخرين.

يقترب العرض بدرجة كبيرة في فكرته وحالة التجريد التي يعتمد عليها من نص مسرحية “هربنا بجلدنا” للمسرحي الأميركي ثورنتون وايلدر. ففي ذلك النص يجرد وايلدر متاعب البشرية منذ العصر الحجري، وفي كل زمان ومكان، من خلال تصوير السعي البشري نحو البقاء وما يتطلبه من كفاح وصراع يومي، وإن كان النص لا يهدف بشكل أساسي نحو نقد مظاهر الجشع الإنساني.

يُمكن كذلك ملاحظة روح تشابه العرض المسرحي مع نص سارتر “لا مخرج”، فبينما يناقش سارتر إشكالية الوجود في مسرحيته عبر التأكيد على أن “الجحيم هم الآخرون”، يأتي الجحيم في عرض “قـاع” من الشر الكامن في النفس البشرية والذي تُصبح له الكلمة العليا في توجيه الأفعال البشرية في الكثير من الأحيان.

يبدأ العرض بمدخل فنتازي، فالأنبوب الكبير الذي يتوسط خشبة المسرح، والذي يرمز إلى الرحم، يسقط من داخله الأفراد إلى الأرض، تلك الأرض هي الحياة كقاع بكل ما ينجم عن العيش في ذلك من صعوبات ومشقة وصراعات لا تتوقف. وتبدأ الحياة بذاكرة إنسانية لا تذكر شيئًا من حياتها السابقة ولا تعرف لها اسمًا، وتلوح التساؤلات حول المكان والزمان والطبيعة الإنسانية والمصير لذلك الواقع في الأفق، لكنها سرعان ما تتبدد في غياب الأجوبة عنها، وفي انعدام أفق التحرر من أسر تلك الحياة في القاع سوى بالموت.

عرض يستلهم الفنتازيا لمناقشة الإشكاليات الوجودية
عرض يستلهم الفنتازيا لمناقشة الإشكاليات الوجودية

كان مؤلف ومخرج العرض محمود محسن، أكثر ميلًا نحو التجريد، ومن ثم عبّر عن ذلك من خلال توظيف العديد من العناصر الفنيّة؛ فالأفراد الساقطون إلى القاع لا يذكرون أسماءهم، وبالتالي يتخذون من الأرقام اسمًا لهم، وتبدأ رحلتهم لجعل المكان ملائمًا للعيش من خلال البحث عن مصادر الطعام والشراب واختيار حاكم يُمكنه تنظيم أمور الحياة وأساليب العمل دون تحديد لمكان بعينه.

وتجلى الميل نحو التجريد أيضًا عبر تهميش عنصر الزمن، ليبيت العرض مناقشًا لإشكالية وجودية مؤرقة في كل زمان ومكان. فآدم وحواء عجوزان يجلسان على جانبي الأنبوب في صمت يشهدان سقوط المزيد من الأفراد الجدد في مواجهة غواية الحياة وغوايات الشيطان أو الشر الكامن في النفوس الذي يسهم في تأجيج الصراعات وإشعال الفتنة بين البشر، ولا ينطقان سوى بجملة واحدة تُعبِّر عن أمنية بعيدة المنال “ليتنا نتعلم دون أن نخطأ”.

اعتمد العرض على ملابس موحدة للشخصيات تأكيدًا على أهمية المعاني الإنسانية المشتركة التي يجب أن تسمو فوق كل الاختلافات ممثلة في وجود أنماط مختلفة من البشر ما بين الأبيض والأسود، والجميل والقبيح، والقوي والضعيف.

من ثم، يستشكل العرض الأفكار والنزعات العنصريّة التي تُقصي الرحمة تجاه الضعفاء فتجعل الأقوى يسيء معاملة الضعيف، والأبيض يوّجه اتهاماته نحو الأسود، في صراعات متجددة يشهدها ذلك القاع ولا مفر منها سوى بالموت.

ويناقش مُغريات السلطة، فالشخص الذي اختاره الجموع ليكون حاكمًا ومساعدًا لهم في إدارة عيشهم، استغل سُلطته في البطش بمن اختاروه كما استغلهم في احتكار المميزات كافة لنفسه، فيما عاشت الجموع في حرمان متواصل وعمل شاق لتأمين حياتهم، ليأتي الصراع على السُلطة بين الأخ وأخيه والذي يودي إلى القتل كحلقة جديدة ومتجددة تشهدها الحياة كنتاج للطمع الإنساني.

عناصر فنية متكاملة

مسرحية تفضح الأفكار والنزعات العنصرية التي تخلق صراعات متجددة يشهدها القاع
مسرحية تفضح الأفكار والنزعات العنصرية التي تخلق صراعات متجددة يشهدها القاع

تتجلى في ذلك القاع، الغيرة بمختلف أشكالها، والتي تقود إلى الصراع والاقتتال. تمثل ذلك في قصة الحب التي نمت بين شاب وفتاة وكانت مبعث غيرة الآخرين الذين صارعوا الطرفين حتى الممات. فضلًا عن تجسيد الآلام الإنسانية التي يتشارك فيها جميع البشر مثل الضعف الحائل دون تحقيق الأمنيات والوحدة التي لا مناص منها وألم الفراق الذي لا دواء له سوى بلقاء المحبوب في عالم آخر.

ولجأ العرض إلى توظيف العديد من العناصر الفنيّة للتعبير عن فكرته، فالأداء الحركي عبّر بكفاءة عن النقلات النفسية المختلفة، فجسد الصراع بين البشر في مشاهد لافتة تعززت عبر الإضاءة باللون الأحمر للتأكيد على حدة الصراع وقوته. كما عبّر الأداء الحركي في مشاهد أخرى عن مشاعر الحب وكان للإضاءة الزرقاء في هذا الصدد تأثيرها.

وجاءت الموسيقى والأغنية التي قدمت في المشاهد الأخيرة لتُعبر عن حالات وجدانية مؤثرة بشكل جذاب أضفى حيوية على العرض. وجاء الديكور، الذي صممه ملاك شنودة،  كأحد أبرز العناصر في العرض. فالشجرة كجزء رئيس من المشهد المسرحي ليست فقط جزءًا من قصة العرض؛ كحاملة للثمر الذي يُمثل طعام الأفراد على الأرض، لكنها أيضًا تجسد رمزية الغواية الأولى التي قادت الإنسان إلى السقوط إلى الأرض بعد أن امتثل لغواية ثمرها.

 وتأتي السفينة كرمزتاريخي للنجاة المنشودة من الهلاك، فضلًا عن استخدام التروس تعبيرًا عن التطور الصناعي في مشاهد تالية.

وعززت الإضاءة في بعض المشاهد من شعور الوحشة الذي ينتاب الشخصيات بمجرد السقوط إلى الأرض لتضفي بعدًا جذابًا على الديكور المسرحي كان له أثره في تعزيز الفكرة المسرحية.

في حال تجاوز بعض الثغرات في العرض كالأخطاء اللغوية في الحوار، وبعض فجوات الحبكة التي حاول العرض التغلب عليها بتوظيف عناصر فنية مختلفة، يمكن اعتبار عرض “قـاع” يمثل جُهدا مسرحيًا شبابيا لافتًا، لاسيّما قدرة المخرج على إدارة عدد كبير من الممثلين على خشبة المسرح بشكل متوازن وتقديم فكرة فلسفيّة بدرجة عالية من الجاذبية.

انعدام أفق التحرر من أسر تلك الحياة في القاع سوى بالموت
انعدام أفق التحرر من أسر تلك الحياة في القاع سوى بالموت

 

15