قفا نبك على ذكريات الفنون السمعبصرية

الأربعاء 2015/07/15

الناقد والكاتب العراقي مهدي عباس ذو ذاكرة سينمائية وتلفزيونية ممتازة ورصيد كبير من المعلومات يعتمد على أرشيف شخصي غني بالوثائق والصور وهو متابع من الطراز الأول لما يجري في ميادين السينما والفنون المرئية عراقيا وعربيا وعالميا.

وهو عاشق للفنون السمعبصرية وخاصة السينما وهو متحمس للإنتاج المحلي العراقي وإن كان حماسه هذا يدفعه أحيانا إلى الكتابة عن كل نشاط سينمائي حتى وإن كان من أعمال الهواة وطلبة المعاهد ويضعها في مصاف الاحتراف، كما يبالغ أحيانا في المديح للبعض بحجة التشجيع لصانعي أحد الأعمال فيعتقد صاحبه أنه بزٌ الآخرين.

وواحدة من نشاطات صديقي مهدي عباس هو البكاء على الأطلال، أطلال دور السينما والمسارح والاستوديوهات التي تم إغلاقها وتحويلها إلى مخازن ومستودعات أو مبان أو شركات تجارية، وهو لا يبكي فقط على أطلال المباني التي فقدت صفتها الفنية بل يبكي أيضا على أطلال الأنشطة الإنتاجية السمعبصرية (سينما–تلفزيون–إذاعة) التي توقفت لأسباب ليست فقط اقتصادية بل سياسية وحتما أمنية.

وبالأمس كتب يبكي على أطلال سينما أطلس في ساحة النصر وسط بغداد قائلا: لابد أن يعتريك الشجن وأنت ترى سينما أطلس التي شاهدنا فيها أجمل الأفلام تتحول إلى شركة تجارية وتمحى حالها حال بقية دور السينما… ولمن لا يعرف فإن سينما أطلس افتتحت عام 1967 بالفيلم الهندي “الجسدان”.

وكالعادة بالنسبة للأفلام الهندية المبكية والمفرحة في آن واحد استمر عرض هذا الفيلم لعدة أشهر في أطلس ولسنوات بقي يتنقل من دار عرض إلى أخرى.

سينما أطلس كانت ملتقى العوائل البغدادية لما يتوفر فيها من أجواء محترمة وبيئة مشاهدة راقية، وكان الكثيرون يحضرون حتى من المحافظات لمشاهدة ما تعرضه من الأفلام المختارة وتخصصت بشكل عام بالأفلام العربية والعراقية… وكانت واحدة من عشر دور عرض سينمائي في بغداد أغلقت جميعا بسبب صروف الدهر وتبدل الأحوال وتغير العادات.

غلق دور السينما التقليدية، أو تبديلها أو شطرها إلى صالات عرض صغيرة محدودة المقاعد، هي ظاهرة عالمية بعد تبدل أساليب العرض (إلى ديجيتيل) وتبدل عادات الجمهور… وسادت الآن دور العرض الصغيرة في الأسواق الكبيرة (المولات)… بخمسين إلى سبعين كرسيا.. وتجدها غالبا شبه فارغة… إلا بالعروض الأولى لبعض الأفلام الجديدة التي تسبقها دعاية مؤثرة ويكتب عنها أنها جنت الملايين في الولايات المتحدة التي على ما يبدو مازال الإقبال فيها على دور السينما كبيرا وشعبيا وإلا ما كانت الأفلام تحقق مثل هذه الأرقام الخيالية، فمثلا حقق فيلم الرسوم المتحركة (مينيونز) في أول أسبوع من عرضه في أميركا أكثر من 115 مليون دولار وحقق فيلم عالم الديناصورات في أسبوع أكثر من 18 مليون دولار لتصل إيراداته إلى 590 مليونا وبلغت إيرادات فيلم الرسوم المتحركة (انسايد آوت) 283 مليونا و638 ألف دولار.

تطور التقنيات الالكترونية من كمبيوتر وانترنت وبث فضائي رقمي ويوتيوب وإيميل وأقراص مدمجة عالية الجودة، وفر إمكانيات غير محدودة لمشاهدة ما ترغب فيه من أفلام ومسلسلات، في الوقت الذي تشاء وأنت مسترخ في بيتك، إضافة إلى الفضائيات العديدة التي تتدفق منها مختلف الأفلام السينمائية الحديثة أو القديمة. ففي الفضاء الذي يغطي المنطقة العربية هنالك الآن أكثر من خمسين قناة متخصصة ببث الأفلام على مدار الساعة مترجمة وبجودة عالية وتعيد عرض كل منها بأوقات متفاوتة ليراها من فاتته، وهنالك مواقع مشفرة على الأقمار تستطيع من خلالها وبثمن بخس أن تشاهد أحدث الأفلام، وفي الوقت الذي تشاء… ما الذي يحملك على الخروج والتوجه إلى دور العرض السينمائي؟

نعم، إن لمشاهدة الفيلم على الشاشة الكبيرة متعة استثنائية، أن تذهب إلى السينما وتقف لتقطع تذكرة وتجلس على كرسي مرقم تنتظر إطفاء الأنوار وأنت تجلس بين جمهور حولك، تسمع أنفاسه وتحس بردود أفعاله بما يدور أمامه، وقد تتفاعل معه فيزيد من متعة المشاهدة، لذلك فإن الذهاب إلى السينما مازال عند الكثيرين له نكهة احتفالية جميلة، خاصة إذا كنت برفقة من ترتاح إليه.

18