قفة العائلة التونسية تستعيد مكانتها

الثلاثاء 2017/02/28

قد يتجاوز 01 مارس المقبل مجرد تاريخ لانطلاق سياسة التخلي التدريجي عن الأكياس البلاستيكية بتونس إلى إحياء البعض من عادات العائلات التونسية التي اختفت أو كادت مع عجلة الزمن المتغيرة.

تقرر تعويض الأكياس البلاستيكية داخل المساحات التجارية الكبرى بأكياس أخرى ومن بينها القفة، وهي سلة من ورق النخل أو نحوه، ولها تاريخ عريق لم يخب مع الزمن.

تعددت استعمالات القفة التقليدية، لا سيما مع موجة الموضة العصرية التي تحاول المزج بين التقليدي والمعاصر، فأفرزت سفيرا ثقافيا من تشكيلة من القفف المطبوعة بروح الأحياء العتيقة، تحملها الشابات دون تذمّر أو تأفف من تقليد عائلي، بل بتفاخر ومتابعة لآخر صيحات الموضة التي جمعت شمل القفف بالملابس الشبابية العصرية.

وبالعودة إلى الوراء قليلا ستستعيد الذاكرة شريطا سينمائيا بالأبيض والأسود يوثق علاقة العائلات التونسية بالقفة التي يحملها رب البيت إلى السوق ليعود بها الصبي القائم على خدمته إلى الزوجة وقد مُلئت بكل الخيرات دون أن تفيض أمام العيون المتطفلة. تفرغ ربة البيت محتويات قفتها في مطبخها دون أن تعلم جاراتها ما أثقل ساعد الصبي طول الطريق.

وترافق القفة أهل البيت في زياراتهم في أفراحهم وأتراحهم، تجوب الأنهج والأزقة وتدخل محل الجزارة والخضروات والغلال، بها مساحة لكل صنف ولون، وتتولد بين جنباتها علاقات مودة تحمل التفاح على معانقة الطماطم والدجاج على الالتحام باللحمة.

اليوم العائلات في الظاهر تبارك سعي الدولة للتخلي عن الأكياس البلاستيكية بسبب أضرارها على البيئة والخلق والحال أنها ضاقت ذرعا من كثرة عيوبها التي فتّحت العيون على أسرار وخفايا بيوتها، لأن هذه الأكياس تزداد في كل مرة شفافية إلى درجة أنها أضحت لا تخفي ما تحمله ممّا غلا أو رخص.

ولئن شهدت سلال التسوق العديد من التغيرات إلا أنها عادت إلى الأكياس الورقية والقفة وإن كان بصور وأحجام مختلفة عن الماضي، لكنها لم تقدم البديل بل صنعت من الماضي حاضرا لإنقاذ البشر من أمراض لا حصر لها.

لا أتصور أن الأسر ستبدي استياء من فكرة التخلي عن الأكياس البلاستيكية التي ملأت الشوارع وأضحت تهدد صحة الكبار والصغار. لن يأسف أحد على اختفاء صناعة هذه الأكياس بل سيباركون عودة صناعة الأجداد وانتعاش صناعة القفف والأكياس الورقية حتى يظهر البديل.

وجدت صناعة الأكياس البلاستيكية إقبالا شبابيا تحمل أعباء القروض وبعث مشاريع صغرى ونشر ثقافة كاملة داخل كل ركن من حياة العامة والخاصة، في المقابل تحركات الأيادي البطيئة التي كتبت تجاعيدها تواريخ صناعة ضاربة في القدم، صامدة تشبك أوراق النخيل أو الخيزران ببعضها البعض لتحافظ على عاداتها الأصيلة.

التخلي عن الأكياس البلاستيكية ليس أمرا جديدا فقد سبقت إليه الكثير من الدول الأجنبية في السنوات الأخيرة، وفي الغد القريب سيبحث له في المجتمعات العربية عن بديل من التراث الشعبي دون أن تبدي العائلات العربية تأثرا أو عدم قبول.

كاتبة من تونس

21