قفزة الصين: من اشتراكية ماو إلى رأسمالية الغرب

الأحد 2015/10/11
اوزنوس كاتب رصد تحولات الصين بطريقة الدراماتيكية

غالباً ما ينظر الغربيون إلى شعب الصين نظرتهم إلى شخصيات كاريكاتورية. يحصرونهم في أمة من البلوتوقراطيين البراغماتيين منزوعي العاطفة والطلاب الملتزمين التزاماً في منتهى الحزم، المقدَّر عليهم الهيمنة في المستقبل على الاقتصاد العالمي. وكثيراً ما يتخيلهم الغرب في صورة أفراد بالغي النفوذ والسلطان، يركَبهم التشوش الفكري ويطغى على تجارتهم الفساد والرشوة والتذلل للسلطة، وهم لا محالة على شفا الكساد.

ولكن ما هي حقيقة الصين بعيداً عن كل الصور النمطية البائخة، تُجارها، رجال أعمالها، مستثمروها، أناسها العاديون القادمون من كل مشارب الحياة.

يكشف هذه الحقيقة إيفان أوزنوس الذي عمل مراسلاً لمجلة “ذا نيويوركر” في بيكين من عام 2005 إلى عام 2013، فشهد عن كثب ثورتها الاقتصادية والثقافية، ثورة لا تنطوي كلية على جوانب إيجابية مثلما تدّعي النخبة الحاكمة.

فاز كتاب أوزنوس “عصر الطموح: السعي إلى الثروة والحقيقة والإيمان في الصين الجديدة” بالجائزة القومية للكتاب عن فئة الكتاب غير القصصي هذا العام. وفي خطابه الموجز إلى الحضور، شكر المتعاونين معه من الصينيين لأنهم خاطروا برزقهم، بل وأرواحهم، من أجل إنجاز كتابه، “إنهم يعيشون في مكان من الخطورة أن يتحلى فيه الإنسان بالصدق”.

يفضح “عصر الطموح” في مجمله نزعة الصين السلطوية إبان حقبة من التبدل المتقلقل، مفنِّداً عملية تحول حثيث خاضتها الصين في سبيلها إلى أن تصبح قوى اقتصادية عظمى، والصدام بين نزعة فردية تزحف على طبقتها الوسطى وإجراءات قاهرة يفرضها نظامها السلطوي لخنق أي بصيص مـن الحـرية السيـاسية والاجتماعية.

في كتاب (عصر الطموح) نتعرف على البنية التحتية الفكرية والروحية للتقدم الصيني، ولا شك أن مؤلفه يستوعب تمام الاستيعاب عمق التحولات وتعقد التناقضات وهشاشة المخاطرة

ازدواجية فكرية

يفكك أوزنوس بمنهجه التحليلي السلس الصدامَ بين قوتـين متعاديتين: حقوق المواطن السياسية من ناحيـة واستماتة الحزب الشيوعي للإمسـاك بتلابيـب السلطة من ناحية أخرى.

ويطرح أسئلة ملحّـة تدين عنف الدولة الفكـري قبـل كـل شيء: لمـاذا تفرض حكومة نجحت في رفع عدد هائل من مواطنيهامن حفـرة الفقر المدقع قيـوداً صارمة، وقاتلة أحيانا، على حريّتهم في التعبير والممارسة السياسية؟

علاوة على أن “عصر الطموح” تطلَّب مهارات جديدة كتعلم اللغة الإنكليزية. والمؤلّف يسرد مغامرات كوميدية في فصل لي يانج الدراسي، وتعلّم كيفية السفر بين المدن الغربية وإلحاق الآباء أولادهم بكليات أميركية تلتزم بمعايير أكاديمية عالمية وتتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة.

لماذا يضطر إذن ملايين من المهنيين الصينيين الشبان -المتحدثين باللغة الإنكليزية بطلاقة والمعجبين بالثقافة الغربية من سينما ومسلسلات وأغان- إلى اعتبار أنفسهم “شباناً غاضبين”، يكرّسون جهودهم العقلية لمقاومة الفاعليــات الغربية؟! بل كيف يعثر الصينيون من جميع الطبقات الاجتماعية على المغزى والتحقق الأخــلاقي بعد عقدين من سعي لا هوادة فيه إلى الثروة؟

التحرق إلى الثروة

ينجح أوزنوس في تقديم إجابات شافية في تقارير شجاعة وإن غلَّفها التشاؤم، لا تتجاهل في أغلبها تفرّد المجتمع الصيني، مصطبغة في الكثير من الأحيان بلهجة تهكّمية.

يحكي في ثنايا الكتاب قصصاً مؤلمة أفضت إلى الإخفاق الذريع، عاشها أناس عاديون في حالة قلق بالغ على هويتهم وقيمهم ومستقبلهم.

إن التحرق إلى إحراز الثروة والرعب من الإفلاس وخسارة قيم ماو الروحية تركتهم فريسة لأزمات أخلاقية وإحباط اجتماعي شامل، فقد عرّضت الفرص الاقتصادية القيم التقليدية لخطر الفناء، وفتحت المجتمع على حريّات لم تتناه إليهم من قبل. ومع تعالي صوت الفلسفة القائلة بأن الفرد غاية في ذاته وذو قيمة عُليا، وبأن المبادرة والمصالح الفردية يجب ألا تُخْضَع لسيطرة الحكومة أو المجتمع أو رقابتهما، يعتقد المؤلف أن المواجهة قادمة لا محالة، ولن تبرأ من الدماء، ما لم تعد السلطة حساباتها.

كتاب يعرّي دوافع انتهازية تستّتر وراء مجتمع

الالتفاف حول الرقابة

لا يتوقع المؤلف أن يخفف الحزب الواحد من قبضته الخانقة في المستقبل القريب، ومع ذلك يجد عدد من الشبان متنفساً بطريقة أو بأخرى. يعارضون الدولة وخياراتها السياسية ودعمها لنظام بشار الأسد القاتل، ولكنهم يتجنبون قبضتها الحديدية مستخدمين الإنترنت وكأنه “ميدان تيانانمن إلكتروني”. الواقع أن هذا السيل الفياض من سباب الإنترنت ونكاته وسخريته ينم في رأي أوزنوس عن “صورة كئيبة لقطار يحوي عدداً محدوداً من المقاعد”. وعبْر الوسيط الإلكتروني تحتدم معركة بين الدكتاتور وثقافة برجوازية ناشئة تعج بالمتمردين، متجسدةً في برنامج رقمي يسرِّب قوانين حكومية سريّة بشأن الرقابة بمجرد أن تقرّها الحكـومة. وهكذا يعدِّد المؤلف نماذج وصفها “بالعبقرية”، التفَّت حول يد الرقابة السميكة لتتغلب بالمراوغة والحيلة على قمعها، كمجلة رجال الأعمال العالمية كيجينج، وأعمـال المعمـاري الفنان آي وايـواي، وميثـاق حقــوق الإنسـان الذي كتبـه ليو تشياوبو.

ينبش الكتاب كذلك في جذور الفساد والقمع منذ بداية القرن العشرين، ويعرّي دوافع انتهازية تستتر وراء مجتمع في مفترق تاريخي، فيدرك القارئ أن الحياة في الصين الجديدة ما هي إلا ساحة حرب بين المطامح المادية والسياسية واستبداد البنية الحاكمة، وواحد منهما لا بد أن يتفوق على الآخر، والثمن هو البشر.

بانوراما مقموعة

يتّكل المؤلف في رسم هذه البانوراما على أفراد التقى بهم بالفعل، وهم فنانون وكتَّاب ومحررون واقتصاديون ومدرسون للغة الإنكليزية وقوميون محافظون وطلاب ليبراليون ومنشقون عن النظام، وأبرزهم المحامي المنفي تشن قوانغ تشنغ.

وجميعهم تأثر رزقهم بمرحلة انتقالية من التقشف والخضوع والمثالية الاشتراكية وصولاً إلى عهد ديناميكي من المادية الرأسمالية والدعاية للذات وقيم الربح والخسارة في إطار اقتصاد سوق لا يرحم؛ إنه مجتمع غارق حتى أنفه في رحلة امتدت خمسة وثلاثين عاماً من الدوغما العمياء، وما هي بدوغما مختارة، وإنما مفروضة من قبل النظام في حالتها الاشتراكية وكذا الرأسمالية، فالسلطة لا تعترف بالفردية ولا تقرها.

أوزنوس يرى أن أشقّ ما يمكن تفسيره عن الصين في القرن الحادي والعشرين هو هذا المزيج من الأمل واليأس، المثالية والفظاظة

صادق المؤلف عدداً من المكافحين الجدد كالجندي المثالي لين ييفو المنشق من تايوان إلى الصين في عام 1979 على أمل إحراز الثراء في الصين الجديدة، وجونج هينان الفلاح المفعم بالضجر الذي ارتحل إلى المدينة الكبيرة في منتصف تسعينات القرن الفائت بغرض الدراسة فانتهى به الأمر إلى تأسيس وكالة مواعدة بين الجنسين!

يشير أوزنوس إلى كفاح ليو تشياوبو الفائز بجائزة نوبل للسلام والقابع خلف القضبان الصينية. كان تشياوبو قد أطلق دعوة للإصلاح السياسي وتحرير كل من شاركوا في أحداث عام تسعة وثمانين وتسعمئة وألف، فأرسلته الحكومة إلى معسكر لإعادة التأهيل لمدة ثلاث سنوات بتهمة الخروج عن النظام العام. وبعد خروجه حُكم عليه بالسجن أحد عشر عاماً بتهمة التحريض على قلب نظام الحكم، والتهمة تعني بلغة السياسة “التحريض على الديمقراطية”.

يرى أوزنوس أن أشقّ ما يمكن تفسيره عن الصين في القرن الحادي والعشرين هو هذا المزيج من الأمل واليأس، المثالية والفظاظة، العمل الجماهيري المنظم والخطط الفردية الفوضوية، ومع ذلك نراه يأسر هذا الواقع المربك بنبرة صحافية ناقدة عليمة بالاقتصاد، لا تغفل الوجه الإنساني للمجتمع الصيني.

لا يقل “عصر الصين الذهبي” كما يُطلق عليه عن سحر العصر الذهبي في الغرب ودراميته. وفي كتاب “عصر الطموح” نتعرف على البنية التحتية الفكرية والروحية للتقدم الصيني، ولا شك أن مؤلفه يستوعب تمام الاستيعاب عمق التحولات وتعقّد التناقضات وهشاشة المخاطرة بأكملها بكل تحدياتها ومعضلاتها.

12