قفزة عوائد السياحة تبث التفاؤل في الاقتصاد التونسي

الأوساط الاقتصادية في تونس تجمع على أن نمو عوائد القطاع السياحي سينعكس على جميع قطاعات الاقتصاد المتعثر ويساهم في تصحيح اختلالات المؤشرات المالية.
الثلاثاء 2019/08/20
المحرك الأساسي للاقتصاد التونسي

أشاعت قفزة كبيرة في إيرادات السياحة التونسية، التي تعد العمود الفقري لمجمل النشاط الاقتصادي، حالة من التفاؤل بإمكانية تصحيح الاختلالات المالية المزمنة، والتي ظهرت بوادرها في ارتفاع نادر في الاحتياطات المالية.

تونس- أظهرت بيانات رسمية أن إيرادات قطاع السياحة في تونس سجلت قفزة نمو هائلة منذ بداية العام وحتى العاشر من أغسطس الجاري، حيث ارتفعت بنسبة 44 بالمئة بمقارنة سنوية.

وقال البنك المركزي إن عوائد القطاع السياحي قفزت خلال تلك الفترة إلى 3.16 مليار دينار (1.1 مليار دولار) من نحو 2.19 مليار دينار (763 مليون دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي. ويمثل قطاع السياحة المحرك الأساسي للاقتصاد التونسي، وهو مصدر رئيسي لجلب العملة الأجنبية وتوفير الوظائف. ويمثل حوالي 8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتجمع الأوساط الاقتصادية على أن نمو عوائد القطاع السياحي سينعكس على جميع قطاعات الاقتصاد المتعثر ويساهم في تصحيح اختلالات المؤشرات المالية بعد أن ظهرت في ارتفاع احتياطات البلاد من النقد الأجنبي بعد سنوات من التراجع.

وتشير تقديرات وزارة السياحة إلى أن تونس تتوقع أن يتجاوز عدد السياح في مجمل العام الحالي لأول مرة حاجز 9 ملايين سائح، مقارنة باستقبال 8.3 مليون سائح في العام الماضي، وذلك بعد سياسة ترويج واسعة استهدفت الأسواق التقليدية مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

وتصاعد رهان الحكومة التونسية على السياحة من خلال استراتيجية جديدة أطلقتها العام الماضي، تستهدف استقطاب أكثر من 10 ملايين سائح في العام المقبل. وترجح وتيرة النمو هذا العام تحقيق أهداف أعلى من التقديرات الحكومية.

ويؤكد العاملون في القطاع أن السياحة تعيش هذه الأيام نشاطا غير مسبوق منذ سنوات، حيث تشهد المنتجعات السياحية والفنادق في الولايات المطلة على البحر المتوسط ارتفاعا كبيرا في نسبة الوافدين الأجانب من البلدان الأوروبية والجزائر. وتسابق الحكومة الزمن لتعزيز جاذبية السياحة، حيث افتتحت مؤخرا أكبر منتجع صحراوي في البلاد، لتحويل ولاية توزر إلى إحدى أبرز الوجهات العالمية في هذا المجال.

ويراهن المسؤولون على أن يكون منتجع أنانتارا البالغة تكلفته حوالي 47.2 مليون دولار، نقطة ضوء جديدة لقطاع استطاع بفضل استراتيجية حكومية أن يتجاوز بثبات الهجمات الإرهابية التي ضربت تونس في 2015. ومن المتوقع أن يستقطب المنتجع الصحراوي السياح الخليجيين على وجه التحديد، إضافة إلى سياح من مختلف أنحاء العالم الشغوفين باستكشاف الصحراء التونسية.

وانتعش القطاع بشكل كبير في السنوات الأخيرة مع عودة سياح الأسواق التقليدية بعد رفع العديد من الدول الأوروبية لتحذير السفر نحو الوجهة التونسية. لكن تونس لا تريد الاكتفاء بتلك الأسواق، حيث عززت رهانها على السوقين الصينية والروسية اللتين أنقذتا الموسمين الماضيين بعد عزوف السياح من الوجهات التقليدية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا.

وانعكس الانتعاش السياحي في ارتفاع نادر في احتياطات النقد الأجنبية التونسية، ليعطي بصيص أمل بتخفيف الاختلالات المالية المزمنة، بعد أن واصلت الانخفاض بشكل شبه متواصل منذ الانتفاضة الشعبية في بداية عام 2011. وأظهرت بيانات البنك المركزي الأسبوع الماضي أن احتياطات البلاد من النقد الأجنبي، سجلت ارتفاعا كبيرا في منتصف أغسطس حين قفزت بنسبة تقارب 10.5 بالمئة مقارنة بمستوياتها في منتصف الشهر الماضي.

وأشارت البيانات إلى قيمة تلك الاحتياطات التي يحتفظ بها البنك بلغت نحو 6 مليارات دولار مقارنة بنحو 5.43 مليارات دولار في 15 يوليو الماضي. وأكدت أن مستويات الاحتياطات الحالية أصبحت تكفي لتغطية واردات البلاد لمدة تصل إلى 96 يوما، بعد أن كانت تكفي لتمويلها لفترة 87 يوما فقط قبل شهر واحد.

1.1 مليار دولار إيرادات السياحة منذ بداية العام حتى 10 أغسطس بحسب البنك المركزي

وقال البنك إن سعر صرف الدينار التونسي واصل الارتفاع الذي بدأ قبل شهرين مقابل سلة من العملات العالمية، ليصل الدولار إلى 2.86 دينار، مقارنة بنحو 3 دنانير في نهاية الربع الأول من العام الحالي. وينقسم الخبراء بشأن آثار الارتفاع الغامض للدينار التونسي، لكن محافظ البنك المركزي مروان العباسي يؤكد أن الظروف النقدية والمالية الحالية في تونس “جيدة واستثنائية” بعد تحسن سعر صرف الدينار.

وأرجع سبب التحسّن إلى ارتفاع عوائد السياحة التي توفر أكثر من 20 بالمئة من مصادر البلاد من العملات الأجنبية، إضافة إلى ارتفاع تحويلات التونسيين العاملين في الخارج. ويرى صندوق النقد الدولي أن الارتفاع المفاجئ لقيمة الدينار يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية على اقتصاد تونس وقد يكبّل قدرة الحكومة على مواصلة تنفيذ الإصلاحات وفق الجدول الزمني المتفق عليه.

وقالت بعثة الصندوق خلال زيارتها إلى تونس في الشهر الماضي، إن ارتفاع سعر صرف الدينار ينطوي على مخاطر محتملة قد تعيق وتيرة تعافي الاقتصاد التونسي. ويثير بعض المحللين شكوكا في أن سبب الارتفاع هو تدخل البنك المركزي في سوق الصرف المحلي في ظل ضغوط سياسية تتعلق باقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

ويرى هؤلاء أن حقائق الأمر الواقع المتعلقة بالاقتصاد التونسي الهش لا تدعم صعود الدينار، ويحذرون من التداعيات السلبية لصعود قيمته إلى مستويات أعلى من قيمته الفعلية. ويأتي ذلك مناقضا لأحد تعهدات تونس لصندوق النقد بخفض قيمة الدينار، من أجل تحسين القدرة التنافسية للصادرات التونسية وتعزيز جذب رؤوس الأموال الأجنبية لدعم الاستثمار.

ويشدّد الصندوق على ضرورة متابعة الإصلاحات المتفق عليها وضرورة تركيز السياسات الاقتصادية في المدى القصير على تقليص عجز الموازنة والتحكم في العجز
التجاري. وقال رئيس بعثة الصندوق بيورن روتر إن “ارتفاع سعر الدينار وزيادة أسعار النفط وتباطؤ النمو لدى شركاء تونس التجاريين الرئيسيين ستؤثر على المالية العامة والحساب الجاري الخارجي، رغم ما حققه قطاع السياحة من أداء فاق التوقعات”.

11