قفز تكتيكي من السفينة الغارقة.. الانفصال عن الإخوان لحماية الإخوان

هنالك تعويل مبالغ فيه على ما يسمى مراجعات الإخوان، في حين أن الجماعة غير مؤهلة أيديولوجيا لإجراء أي مراجعة لأن نظريتها الأصولية التأسيسية القائمة على العنصرية الدينية واليقين الجازم بتفوق الذات ونقائها ترفض كل أشكال النقد والمراجعة التي يمكن أن تجرح نرجسية الجماعة، فالمراجعة تتناقض جوهريا مع الأفكار التي أنشأت الجماعة وهي المفاصلة العقائدية مع المجتمعات والعزلة الشعورية عنها والتطهر من “جاهليتها”.
الجمعة 2017/08/04
أخاديد فكرية غائرة لا تنفع معها مراجعات شكلية

انطلاقا من تحليل البنى الدلالية للخطاب الإخواني تاريخيا يمكن ملاحظة استشراء ثقافة التعصب الأيديولوجي والعصبوية التنظيمية والتصنيف الديني للأفراد والمجتمعات والنزعة التكفيرية الكامنة في ثنايا الكثير من الأدبيات الإخوانية، وعليه فإن المراجعة الوحيدة التي يمكن أن نسميها مراجعة حقيقية هي تلك التي تنتهي بحل الجماعة وتفكيك بنيتها الفكرية والمؤسسية.

أزمة الإخوان تكمن في هوية الجماعة ومضمونها، في شكلها ومحتواها، فهناك ترابط عضوي بين المبنى التنظيمي والمعنى الأيديولوجي للفكرة الإخوانية، وبين غاياتها ووسائلها، ولا يمكن التعويل على أي مراجعة لا تفكك بنية التطرف الكامنة في النظرية الإخوانية عبر تفكيك العقيدة والتنظيم معا بصورة جذرية، وليس الاكتفاء ببهلوانيات براغماتية تتضمن تعديل الأدوات أو تغيير الوجوه أو تجديد الخطاب.

وثمة مشكلة لا يمكن معالجتها إلا بمراجعات جذرية تفكك أسس وجود الجماعة. تتجلى هذه المشكلة في المقاربة العقائدية الشمولية التي تعتنقها الجماعة في تناول قضايا السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة، فكل شؤون الإنسان توضع في عُرفها الأيديولوجي تحت مقصلة العقيدة وتقاس بمعيار ديني، ما يؤدي إلى قمع الحريات والخصوصيات وتكبيل حرية الفرد وسلب إرادته وزجّه في صراعات نفسية ووجودية داخلية مريرة من جهة، وأطيفة السياسة وتمزيق المجتمع وإثارة النعرات الدينية والمذهبية من جهة ثانية.

مشكلة الإخوان هي مشكلة الأصولية الدينية، وستبقى الجماعات الدينية تتناسل في ظل هيمنة الوعي الأصولي

القضية ليست عقلنة سلوك جماعات الإسلام السياسي، لكن المشكلة في أن رمزية وجودها في المجتمعات تؤدي إلى تكريس “مواطنة دينية” تمييزية تعرّف الأفراد على أساس الهوية الدينية وتزاحم “المواطنة الدستورية” الوطنية الجامعة، ما يؤدي إلى إنشاء “مجتمع فئوي” داخل المجتمع العام و”دولة داخل الدولة”، مع “طبقية دينية” تصنّف الناس على أساس الانتماء أو الالتزام الديني، فنكون إزاء عملية شطر أفقي وعمودي للمجتمع، وهو المشهد الذي شرحه الأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب وقال إنه يعكس “داعشية كامنة” في مجتمعاتنا أسس لها صعود الإسلام السياسي مطلع القرن الماضي. على ذلك، لا تتجسّد مشكلة الأصولية في جدلية التطرف والاعتدال، ولكن في فكرة وجود “الجماعة الدينية” من الأساس.

ويحوّل الفكر الإخواني الرابطة الأيديولوجية بين أفراد الجماعة إلى رابطة طائفية كأنها “قرابة دم”، فيجعلهم ينظرون إلى الجماعة نظرة شخصية وأسرية فيعتبرونها “أمّهم” الرؤوم، ولا يمكن لإنسان أن يراجع علاقته بأمه فهذا “عقوق”. كما يتداخل هذا الوعي الحزبي مع وعي أبوي سلطوي يسود المجتمعات العربية ويفرض على أعضاء أي جماعة قبلية أو سياسية خضوعا واستسلاما لإملاءات وإكراهات قياداتها.

هذا المنطق القبلي القهري هو الذي يتيح لقيادات جماعة الإخوان الهيمنة على أفرادها وجمهورها. وبالتأكيد يسهم توظيف الروايات الدينية في تعزيز قدسية الجماعة في وعي أعضائها وأنصارها باعتبارها “الطائفة المنصورة” و”الفرقة الناجية”.

مشكلة الإخوان هي مشكلة الأصولية الدينية في الشرق الأوسط، وستبقى الجماعات الدينية تتناسل وتعيد إنتاج نفسها في ظل هيمنة الوعي الأصولي الديني على المنطقة. ويتطلب تفكيك هذه الجماعات تفكيك بيئة التطرف وتجفيف منابعه ومغذياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا لن يحصل إلا بإنشاء بيئة للاعتدال والتنمية والتنوير والعدالة والاندماج، تكون مضادة ومعاكسة لبيئة التطرف.

وأسوأ ما يمكن أن تبتلى به أي جماعة أن ينظر أعضاؤها إليها نظرة طائفية، بمعنى أن يعتبروا أنفسهم “طائفة” أو “طبقة” معزولة عن المجتمع اجتماعيا وثقافيا وقيميا، لا مجرد تيار سياسي يتبنى وجهة نظر معينة إزاء قضايا عامة. كتب عضو في الإخوان مرة مشخصا واقع جماعته فقال إنها “بمرور الزمن أصبحت سلالة من البشر يتزاوجون وينجبون ويربّون أولادهم وبناتهم على حب الجماعة وتعاليمها”، بمعنى أنها صارت بمثابة “إثنية” شديدة الإحساس بذاتها والتحسس من الآخر ونقده. هذه الطبيعة “السلالية” للإخوان تجعل عملية المراجعة بمثابة عملية انسلاخ قاس عن الذات أو انتحار لا يقوى عليه الكثير من أعضاء الجماعة، لأنه يعني إدانة ذواتهم وانتماءاتهم الأسرية والاجتماعية، والتسبب بجرح نرجسي غائر ومؤلم للذات، وهي مسألة تصبح معقدة حين تدخل على خطها اعتبارات فئوية وطبقية وطائفية مرتبطة بتراتبيات المجتمع الاجتماعية والاقتصادية وصراع المصالح والمكانة والنفوذ والفرص فيه.

أزمة الإخوان تكمن في هوية الجماعة ومضمونها، في شكلها ومحتواها، فهناك ترابط عضوي بين المبنى التنظيمي والمعنى الأيديولوجي للفكرة الإخوانية، وبين غاياتها ووسائلها

الدين في الخطاب الإخواني هو إطار أو غطاء لتغليف الدوافع والمحركات الحقيقية للأيديولوجيا الشمولية التي تتمحور حول الصراع على سبل الوصول إلى السلطة والهيمنة وإخضاع المجتمعات لصبغة الجماعة. أما على مستوى الأفراد، فلكل عضو في الجماعة قصة شخصية تشكلها أزماته النفسية والحياتية الخاصة التي دفعته إلى الانتماء للجماعة. ولم يعد مطلب تفكيك جماعات الإسلام السياسي ضرورة للمجتمعات فقط؛ ولكنه قبل ذلك ضرورة لأعضاء الجماعات أنفسهم، فهم بانسحابهم منها تنظيميا وفكريا ينقذون أنفسهم من المحرقة والعزلة والألم والخرافة، ويسهمون في تخفيف حالة الاستقطاب والاحتقان والكراهية في المجتمع. لقد أصبحت الجماعة بمثابة “غيتو” اجتماعي معزول عن المجتمع الكبير الذي لا يخلو بدوره من غيتوهات أخرى تشكّلت على أسس طبقية واقتصادية وفئوية واجتماعية وجهوية، وبالتالي فالجماعة جزء من الانقسام والتناقض والتشظي الاجتماعي وأحد تجلياته، وليست كما ترى نفسها مبعوثة رساليا ودينيا لإخراج المجتمع من أزماته وعثراته وتناقضاته.

تتمثل خطورة التخندق الاجتماعي الناتج عن تطبيق الفكر الإخواني في أنه يجعل الجماعة في حالة تضاد مع المجتمع. وهنا يتوضح حجم الخطيئة السياسية التي ترتكبها قيادات الإخوان، والقوى الإقليمية الراعية لها بحق كتلة بشرية من المنتمين للجماعة عندما يضعونها في مواجهة الدولة والمجتمع، فيفتحون بذلك المجال لكل أشكال التناحر الاجتماعي والسياسي والعنصرية.

إن التمايز الديني الذي صنعته الجماعة لنفسها في مصر خلال عقود يرتد عليها اليوم في صورة تمييز سياسي واجتماعي يتعرض له أفرادها من السلطة والمجتمع. إنها تجني ما زرعته يداها. وعليها أن تنهي حالة التمايز والتعالي الديني بتنازلات سياسية صريحة، وانسحاب من المواجهة كي ينتهي التمييز ضدها ويتوقف هذا الصراع المؤلم. وما فرض على قادة الإخوان مراجعاتهم الأخيرة هو التحولات المحلية والإقليمية والدولية، وليست السرديات الأخلاقوية التي يسوقونها عن التجديد والانفتاح. ويتمحور خطاب المراجعة حول الوسائل والأدوات، لكنه لا يقارب الرؤية التأسيسية للجماعة القائمة على الاعتقاد بالتفوق الديني على المجتمع. وتعكس هذه المراجعات براغماتية سياسية لإعادة إنتاج الذات وليس لمساءلتها. البراغماتية قشرة لتغليف نواة التشدد الصلبة ووسيلة حمائية للحفاظ على الذات المتخندقة.

كما أن المراجعات تحتاج إلى فكر تجديدي وتنظير سياسي، وهو ما تفتقر إليه الجماعة، فلم يعد لديهم من المنظرين غير راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، الذي بدأت أفكاره تتقادم، كما أن النزعة السلطوية التي أبداها بعد ثورة تونس، كزعيم سياسي، نحتت من رصيده كمفكر إسلامي “إصلاحي” كانت تنظيراته مُلهِمة في الحقل الإسلامي، لكنها أخذت طابعا حزبيا بعد إطلاق عمل النهضة وانخراطها في الصراع السياسي، بعد أن كانت الأوساط الإسلامية تتداول أطروحات الغنوشي باعتبارها نظريات معرفية تهدف إلى خدمة الإسلام والحضارة الإنسانية.

وهنا نحن إزاء ظاهرة لافتة هي التحول الذي يطال النظرية السياسية بعد تغيّر السياق التداولي الذي يتم تناولها في إطاره. وهي فكرة غابت عن الوعي الأصولي الجماعاتي لعقود، فالنظرية التي ابتكرها حسن البنا قبل تسعة عقود بدت مثالية وثورية في وقتها، لكنها لم تعد صالحة لهذا العصر نهائيا بعد التحولات المعرفية والتاريخية والكونية الهائلة التي شهدتها البشرية على كل الصعد.

نعيش موسم القفز من سفينة الإخوان. النهضة التونسية تقول إنها ليست من الإخوان، وحماس نأت بنفسها عن الجماعة الأم. وبالتالي كل الإخوان تبين أنهم ليسوا من الإخوان. إذا كنتم تتبرأون من الإخوان فمن تبقّى في الجماعة كي يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه أوضاعها وأوضاع مجتمعاتها؟

ولا تشكّل هذه الانسحابات المعلنة من الجماعة انقلابا على الفكر الإخواني، بل تبدو محاولة للمحافظة عليه، إذ فرضت أزمة الحالة الإخوانية على النهضة وحماس إعلان الانفصال تنظيميا عن الجماعة كي تنجو “الفكرة الإخوانية” وتستمر في تمظهرات سياسية أو حزبية وتنظيمية جديدة.

اهتمام الجماعة في مراجعاتها فهو كيف تعزز وضعها الحزبي وتموضعها السياسي والعودة للتصارع على السلطة، حيث تلعب نرجسية القيادات أو انغلاقها وصراع الأجنحة داخل الجماعة دورا في تعزيز المكابرة التنظيمية

يتعامل الخطاب الإخواني مع مختلف القضايا بمعزل عن الاعتبارات الموضوعية والعقلانية، وعبر مدخل واحد هو الاستثمار السياسي والذرائعية المفرطة، فالجماعة لديها استعداد للاستثمار في كل القضايا حتى لو كان أفرادها هم من يدفعون ثمن هذا الاستثمار، ولذلك تخرج علينا اليوم نخب إخوانية بسردية “المراجعات” و”النقد الذاتي” كنوع من الاستثمار الذي يعكس نفعية سياسية، على الرغم من أن هذه المناورات ستطيل أزمة الجماعة وتداعياتها القاسية على قواعدها وعلى المجتمعات التي تنشط فيها.

ويعرف كل من يدرس فكر الجماعة أن مفهوم المراجعة والنقد لديها لا يعني سوى إعادة إنتاج الذات وتحصينها. جماعة الإخوان، من الصعب أن تراجع نفسها أو أن تنقدها، لأن المسألة ليست مسألة فكر أو سياسة؛ المسألة بالنسبة إلى قادة الجماعة وأعضائها شخصية وفئوية، فقد تحولت الجماعة إلى قبيلة معزولة ومعكسر مغلق، ونقدها من الخارج أو نقدها الذاتي لنفسها يعني بالنسبة إليها تهديد وجودها الذي لم يعد وجودا سياسيا أو حزبيا بل تحول مع الزمن إلى وجود شخصي لكل زعيم وكل فرد فيها، بحيث ذابت الحدود الفاصلة بين الشخصية المعنوية للجماعة والشخصيات الطبيعية لأعضائها. وبذلك تحولت خلافات الجماعة الأيديولوجية مع خصومها إلى عداوات فئوية وشخصية، وتطورت صراعاتها السياسية إلى صراعات اجتماعية وطائفية، وطبقا لأعراف الجماعة صار كل فرد فيها ملزما بأن يتحمل مسؤولية كل قرارات القيادة وتداعياتها، وأن يدفع الثمن ويضحي في سبيل هذه السياسات.

تكمن مشكلة المراجعات التي يجريها الإخوان في كونها “مراجعات حزبية”، هدفها ترتيب البيت الداخلي وتأهيل الجماعة لاستئناف “رسالتها” الأيديولوجية في الأسلمة، وليس تفكيك أصل الأيديولوجيا التي قامت عليها أو حلّ التنظيم. ربما يمكن أن يحالف النجاح بعض مراجعات الجهاديين والإسلاميين إذا كانت فردية، ذلك أن منطق الفرد غير منطق الجماعة، فاهتمامات الفرد عندما يراجع أفكاره تتمحور حول خلاصه من محنة الانتماء الحزبي والملاحقة الأمنية والوصم الاجتماعي وعودته لممارسة حياته الطبيعية، أما اهتمام الجماعة في مراجعاتها فهو كيف تعزز وضعها الحزبي وتموضعها السياسي والعودة للتصارع على السلطة، حيث تلعب نرجسية القيادات أو انغلاقها وصراع الأجنحة داخل الجماعة دورا في تعزيز المكابرة التنظيمية والحران الأيديولوجي واستعصاء التغيير داخل الجماعة.

اقرأ أيضا:

الحصاد الأسود.. ما فعله الإخوان بمصر

13