قلب الطاولة على المجتمع الذكوري: النسوية الغربية ومنظورات التحرر

الأحد 2014/10/19
التركيز على البعد البيولوجي كأساس للهيمنة الذكورية ليس سوى جزئية في نظر التيار النسوي

اتخذت حركة التحرر النسوي في البلدان الغربية وخاصة المصنعة منها مثل بريطانيا وألمانيا وأميركا والسويد وفرنسا عدة سبل على مستوى الممارسة والنظرية، ولقد كانت هذه السبل مرتبطة بالواقع التاريخي. من الناحية التاريخية فقد كانت هناك مراحل تاريخية سابقة نما فيها الوعي النسوي بضرورة قلب الطاولة على المجتمع الذكوري غير أن مرحلتي الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية تميزتا عن المراحل السابقة لأنه خلالهما وبعدهما أيضا تشكل منعطف مهم تمثل في بروز المقاومة النسوية للذكورة على مستوى السياسة، والبنيات الاجتماعية، والثقافية، ومؤسسات العمل، وكانت هذه المقاومة مؤسسة على النظرية الفكرية بكل تنوعاتها.

في هذا السياق توضح الناقدة البريطانية كريس ويدن أن “تحليل بنيات المجتمع البطريركية والمواقع التي نحتلها فيها تتطلب النظرية التي تقدر أن تعالج أشكال التنظيم الاجتماعي والمعاني الاجتماعية، والقيم التي تضمنها أو تناضل ضدها. نحن في حاجة إلى نظرية تدرس العلاقة بين اللغة، والذاتية، وبين التنظيم الاجتماعي، والقوة”.

إن الحاجة إلى النظرية ليست بذخا فكريا شكليا وإنما هي ضرورة ملحة ودونها فإنه من الصعب، بل من المستحيل في تقديرها أن “نفهم لماذا تتسامح النساء مع العلاقات الاجتماعية التي تخضع مصالحهن لمصالح الرجال، والآليات التي بواسطتها يتم تبنّي مواقع خطابية معينة باعتبار أنها تمثل مصالحهم ومصالحهنّ”. فماهي هذه النظريات، والمنظورات السياسية التي جيّشتها الحركة النسوية الغربية للتغلب على ممارسات الإخضاع التي عانت ولا تزال تعاني منها النساء؟ هناك أول ما تدعوه كريس ويدن بـ”برنامج حركة التحرر النسوي” الذي استهدف كل ما يعادي المرأة.


الشبكة النظرية


في البداية برزت ضرورة جعل النظرية تحلل قضايا “الذاتية، والممارسات المولّدة للمعنى، والجنسية بتركيز الانتباه على التّضمينات السياسة لتلك النظريات”. ففي تقدير الناقدة كريس ويدن، فإن شبكة النظرية الأكثر تأثيرا على النقد النسوي للذكورة ولتجلياتها في أنماط وأشكال الثقافة، والفكر، وفي التطبيقات المكرسة في المنظومة التربوية/التعليمية، وفي الحياة الاجتماعية، وفي ميدان تقسيم العمل في مؤسسات الإنتاج بمختلف أنواعها، وفي الإعلام وغيرها من الجزيئات المشكّلة لمعماري البنية الفوقية والبنية التحتية، هذه الشبكة تبدو متعددة عند الناقدات والمثقفات النسويات وفي صلبها “اللسانيات البنيوية السوسيرية (نسبة إلى دي سوسير)، وإيميل بنفينست، والماركسية، وخاصة نظرية لوي ألتوسير الأيديولوجية، والتحليل النفسي لسغموند فرويد وجاك لاكان، وتشمل أيضا نظرية جاك دريدا في الاختلاف ونقدها للحضور الميتافزيقي حيث يضمن قصد الذات المتكلمة المعنى، وحيث اللغة هي الوسيلة للتعبير عن شيء أبعد منه، وأخيرا التفكيك المؤسس على نظرية دريدا ونظرية ميشال فوكو في الخطاب والقوة”.

الصورة النمطية للمرأة التابعة هي إنتاج اجتماعي


نتاج ذكوري


تلاحظ كريس ويدن، بعد استعراضها لأهم النظريات التي استخدمتها الناقدات النسويات وخاصة الموجة التالية على سيمون دي بوفوار، أن هذه النظريات المذكورة وغيرها هي من إنتاج الرجال، وبهذا الخصوص تسجل في ما يشبه الأسف أن النساء لم ينتجن النظريات التي بواسطتها يتم تفكيك علاقات الهيمنة والسيطرة على المرأة في المجتمع المتصف بالخصائص الذكورية التي تتميز بتقسيم “العمل على أساس الجنس، والتحكم في الجنسية، وفي علاقات الإنتاج، وفي الدخول إلى المنظومة التعليمية، وفي وظائف العمل وهلم جرا”.

إن هذه الشبكة النظرية المتنوعة الموظفة لتحرير المرأة قد نشأت في مجتمعات تخلو فيها العائلة من الممارسات الديمقراطية التي تعطي للمرأة مكانتها الشرعية فيها، ولذلك فإن مهمة النظرية مستعجلة، خاصة وأنَ الحركة النسوية غير موحدة في منظوراتها السياسية التي يرتبط كل واحد منها عضويا بالنظرية الفكرية التي يستند إليها لفهم مشكلات المجتمع وإدراكها وفي صدارتها العلاقة المهتزة وغير العادلة بين النساء والرجال.


تيارات متناقضة

لكي تتضح الصورة أكثر فإن الناقدة كريس ويدن تحيلنا إلى تنوع التشكيلات السياسية التي يتضمنها المشهد العام للحركة النسوية. هناك في رأيها النسوية الليبرالية التي “لا تقدم نقدا راديكاليا للأسرة” لأنها حسب استنتاجها “تأخذ البنية الأساسية للعائلة الذرية باستخفاف”.

وتلخص ويدن الفكرة المركزية للنسوية الليبرالية وتتمثل في “التأكيد على حقوق النساء كأفراد في الاختيار وتقرير المصير الذاتي بغض النظر عن الجنس البيولوجي، وأهدافها السياسية الأساسية هي خلق الشروط المادية الضرورية لضمان تقري المصير الذاتي للمرأة، وتمنح لها دورا كأم وكحاضنة أولى”. ففي الواقع فإن التيار الليبرالي النسوي يعتقد بقوة بحتمية وأولوية هدم العلاقات القديمة التي تقسّم العمل بين الرجال والنساء على أساس الاختلاف الجنسي.

ومن هنا فإن هذا التركيز على البعد البيولوجي كأساس للهيمنة الذكورية ليس سوى جزئية في نظر التيار النسوي المدعو بالتيار النسوي الراديكالي الذي يأخذ بعين الاعتبار عقبة المنظور البيولوجي لبناء التراتبية في مؤسسات العمل، وتوزيع الوظائف توزيعا غير عادل، أو لنقل، العقيدة البيولوجية التي يتمسك بها المجتمع الذكوري لتقسيم العمل، وجراء هذا يعطي حصة الأسد للرجال ويجعل النساء تابعات لهم.

فالتيار النسوي الراديكالي ينبّه إلى أبعاد أخرى ينبغي أن تأخذها الحركة النسوية بعين الاعتبار مثل التناقضات الطبقية، والعرق. أما التيار النسوي الاشتراكي الذي يتبنى الموقف الماركسي في تفسير التاريخ والمجتمع، وفي صميم ذلك العلاقات بين المرأة والرجل، فإنه، كما تقول كريس ويدن، يولي اهتماما نقديا مركزيا للفكرة الجوهرانية القائلة تعسفيا بأن الفرق بين الرجال والنساء بيولوجي وفطري، ويقدم هذا التيار الماركسي بديلا نظريا لمثل هذه الفرضية القاصرة والرجعية ويتمثل هذا البديل في التأكيد على أن الصورة النمطية للمرأة التابعة قد تأسست تاريخيا وثقافيا ولذلك فهي إنتاج اجتماعي، وأنه بتغيير المجتمع تتغير صورة المرأة أيضا في الذهنيات وكذا في الواقع المادي.


كاتب من الجزائر


11