قلب باريس ينزف مدادا

الاثنين 2015/01/12

يجب أن نضع الأمور في نصابها، العمل الإرهابي الشنيع الذي أودى بحياة الكثير من أعضاء الفريق الصحفي لصحيفة شارلي إيبدو الفرنسية، إضافة إلى رجال شرطة ومواطنين فرنسيين، خلال الأسبوع الماضي، ليـس الأول مـن نوعـه، وقد لا يسعنا إلا القليل من الأمل في أن يكون العمل الأخير، لكنه يعد فصلا جديدا من فصول حرب تكاد تبدو أبدية بين منطق الحضارة، ومنطق الهمجية.

أتذكر وأذكر أيضا بأنّ المنظر الأبرز للفكر النازي، الفريد روزنبرغ، كان يردد العبارة التالية: إذا استطعنا أن نضرب باريس فهذا يعني أننا استطعنا أن نضرب قلب الأنوار، قلب حضارة الأنوار.

وفعلا، فقد كانت النازية وجها من أوجه الهمجية التي سعت إلى تحطيم الحضارة المعاصرة، حضارة الديمقراطية والتعددية والحريات الفردية وحقوق الإنسان، حضارة قيم التنوير. وقتها كانت الهجمة الهمجية آتية من جهـة الشمال، ألمانيـا النازية. أما الآن فإن الهجمة الهمجية آتية من جهة الجنوب، الإسلام المتطرف. غير أن المنطق الهمجي هو هو، تخريب قيم الحضارة والحداثة والتمدن.

وكما أنّ المقاومة ضدّ الهمجية النازية قد تطلبت من المثقفين والمفكرين جهدا جهيداً لأجل مراجعة منظومة الحداثة السياسية، نقداً وتفكيكا وإعادة بناء، حتى لا تتكرر مآسي الغولاغ والهولوكوست، فإن الهمجية باسم الإسـلام، هـذه المرة، تستدعي في المقابل مراجعة كامل المنظومة الفقهية للإسلام، نقدا وتفكيكا وتقويضا، حتى لا تتكرر مشاهد محارق الإرهاب العالمي في المستقبل.

لقد كان الفقه الإسلامي ثمرة العصر الإمبراطوري. ولذلك كانت معظم مفاهيمه تناسب عصر التوسعات الإمبراطورية، من قبيل مفاهيم الجهاد والقتال والسبي والغنيمة وأهل الذمة إلخ.

غير أننا انتقلنا اليوم إلى عصر الدولة الوطنية، دولة المؤسسات والحق والقانون، أو هذا ما يفترض، لكن منظومتنا الفقهية بقيت حبيسة التصورات الاحترابية للعصر الإمبراطوري، مفاهيم الولاء والبراء، ودار الحرب ودار الإسلام، إلخ.

وفي الواقع، ليست الشريعة نفسها سوى ذلك الجهد الذي بذله الفقهاء على مدى ألف عام أو يزيد في محاولة منهم لاستنباط أحكام عامة من نصوص قرآنية وحديثية وتابعية، وهو الجهد الذي أفضى، في آخر المطاف، إلى تضخم مهول في الفتاوى واختلاف هائل في الأحكام. وبالجملة فإن الشريعة جهد بشري قابل للنقد والمراجعة، بل يستوجب ذلك ويستدعيه.

إنّ المطلوب اليوم هو الانتقال من إسلام الشريعة (شريعة فقهاء العصر الإمبراطوري)، إلى إسلام دولة المواطنة، دولة المؤسسات والحق والقانون، وذلك لغاية الخروج من حالة الفصام بين متخيل فقهي قدامي، وقوانين وضعية حديثة.

قد يكون المسلم حريصا على ألاّ تفوته صلاة الجمعة في المسجد، وقد يحرص في الطريق بسيارته، أو دراجته، على احترام ما يسمّى بـ“آداب الطريق”، فتراه يسلّم على العابرين، وقد يزيل “الأذى” عن الطريق، لكنه، في ذات الوقت، لا يرى نفسه معنيّا باحترام قوانين السير وإشارات المرور، فيمثل بذلك حالة من حالات الفصام بين احترام “قانون الله”، وخرق “قانون الإنسان”.

كثيرا ما ردّد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عبارة، “نريد إسلاما فرنسيا بدل إسلام في فرنسا”. لربّما لم يكن ساركوزي الشخص المناسب لقول مثل هذا الكلام. لكن الرّجل كان معه الحق.

تحتاج فرنسا إلى إسلام فرنسي، مثلما تحتاج تونس إلى إسلام تونسي، وتحتاج السنغال إلى إسلام سنغالي، وهكذا.

وبالجملة نحتاج، جميعنا، إلى إسلام لا يمنع المسلم من تحقيق الاندماج الكامل داخل المجتمعات التي يعيش فيها، أو يقيم بها، أو ينتمي إليها.

إن هذا العنف الهمجي الذي ضرب قلب عاصمة فرنسا قبل أيام قليلة، ليؤكد لنا مرّة أخرى بأن الإصلاح الديني في الإسلام سيبقى خلال العقود القادمة أولوية الأولويات، ليس فقط لأجل الأمن والتنمية داخل المجتمعات الإسلامية، وإنما لأجل السلام العالمي أيضا.


كاتب مغربي

8