قلب من أراكان: قصص تحكي بجرأة واقع الإنسان الممزق

عمل ميرفت الأحمد ملكاوي واحد من الكتب القليلة التي تصوّر مأساة أناس يقبعون في آخر الدنيا ويتعرضون للموت دون أن يلتفت إليهم أحد.
السبت 2019/03/16
معاناة الروهينغا

عمّان - “على الخط الفاصل ما بين الموت والحياة، بدأت أشلاؤها بالتساقط، ونفسها بالهذيان، تقلّب عليها المارة كلّهم ساعٍ غير متأنٍّ يجري في نهر الحياة، يسابق ذاته، يخطف اللحظات خطفا، لا شيء يحفر بداخله، أو يركز فيه من سرعة الجريان”.

هذه الفقرة التي ثبّتتها ميرفت الأحمد ملكاوي على الغلاف الأخير لمجموعتها القصصية “قلب من أراكان” تشي بأجواء تصف الحالة الراهنة التي تحولت معها الحياة إلى جري متواصل لا يمنح الإنسان لحظة التأمل والنظر إلى ما حوله أو حتى إلى نفسه، ولا حتى وقتا للحوار مع الآخر أو إجراء مونولوج مع الذات أو حتى التقاط الأنفاس.

الحياة التي تصفها قصص الكاتبة في المجموعة الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” بعمّان، تشبه العجلة التي تدور بسرعة فائقة وتلفّنا معها وتطحن أحلامنا وأمنياتنا وتلقي بها خارج أنفسنا مفتّتة ويابسة، ولا يبقى من الكائنات سوى الأشلاء الممزقة.

و”أراكان” الواردة في عنوان المجموعة، هي الاسم القديم لولاية راخين، الواقعة في ميانمار، والتي شهدت أعمال عنف وتهجير واغتصاب ضد سكانها “الروهينغا” وهم من الأقلية المسلمة التي عدّتها الأمم المتحدة أكثر الأقليات اضطهادا في العالم.

رسالة أمل
رسالة أمل

وفي القصة التي حملت المجموعة اسمها، تروي الكاتبة معاناة الناس وخوفهم وهم يعيشون هائمين في الحقول يقتاتون العشب والتراب من الجوع، إلا أنها تعطي الأمل بأن الإنسان بوسعه أن يغيّر واقع الحياة.

ربما هي واحدة من القصص القليلة التي تصوّر مأساة أناس يقبعون في آخر الدنيا ويتعرضون للموت دون أن يلتفت إليهم أحد، فالعالم كله مشغول بقضاياه مشيح بوجهه، وكلٌّ يبحث عن مصالحه الخاصة ولا مكان لنصرة القضايا الإنسانية العادلة، هذا ما بات عليه حال الإنسانية اليوم.

تتنوع قصص المجموعة بين الطويلة والمتوسطة والقصيرة، كما تتنوع في الموضوعات التي تتناولها الكاتبة من الواقع، وتعيد ترتيبها بمشاعر المرأة وأحاسيسها المرهفة، وانتباهتها لواقع الأنثى.

ومن القصص القصيرة جدا في المجموعة: “كانت المدينة تعيش بأمن وسلام، دخلها، فتكَ بها، هدّم بيوتها، ودمّرها، ثم عاد إليها جنديا مع قوات حفظ السلام”.

وفي هذه القصة نفهم بأي مفارقة تحوك القاصة عوالم سردها، عوالم لا تهتم إلا بتعرية الحقيقة وكشف الزيف والانتصار إلى ما هو منسي ومهمش ومسكوت عنه.

وفي قصص المجموعة تلتزم الكاتبة بهموم المعذبين في الأرض، ولاسيما إذا ما تعرّضت مناطق إقامتهم إلى فتن داخلية، أو احتلالات تداهمهم من مناطق خارجية، مسلطة الأضواء في معظم قصصها على العلاقات الإنسانية التي أدت الظروف الاقتصادية الصعبة والأوضاع المعيشية المريرة، إلى تمزيقها وقطع الكثير من الصلات التي تربط بين البشر، ولاسيما الرجل والمرأة.

كما تنتقد ملكاوي بعض الأمراض التي تفتك بالمجتمع كالفقر، والإدمان، والإرهاب، وتفكّك الأسر، متجاوزة في رحلتها السردية همومها الخاصة، لمعالجة أرق الناس الذين اختارت أن تسافر إليهم بقصصها إلى شرق آسيا، لكنها لم تقصر قلمها على ذاك الشعب، بل تنفتح على قضايا البشرية عامة.

ورغم واقعيتها النقدية إلا أن القصص لا تخلو من الخيال الذي أضْفته الكاتبة على الكثير من أحداثها، التي طغى على بعضها الهذيان، ووقع فنيا في الحلم والفنتازيا، وكان لتجاوز القاصة مرحلة التجريب، أثره في إبداع قصص متقدمة جماليا وموضوعيا، في الوقت الذي تتّكئ فيه على المونولوجات الداخلية، والمشاهد السينمائية، والصور البصرية، ورغم طغيان النفس الروائي على المجموعة إلا أن القاصة نشرت فيها عددا من القصص القصيرة جدا. حيث ضمّت المجموعة في مجملها 109 قصة متنوعة الشكل والأسلوب.

14