قلة حماس "الجزيرة" تمنع الربيع العربي-الموسم الثاني

الحراك في السودان والجزائر برهن أن بذور الانتفاضات المستقبلية مزروعة في الأرض من المحيط الأطلسي وحتى المحيط الهندي.
الجمعة 2019/04/19
انتفاضة شعبية لا تشبه الربيع العربي

مثّلت صور الاحتجاجات الشعبية التي شهدها عدد من العواصم العربية سنة 2011 لحظة مفارقة تاريخية في المنطقة والعالم يصعب أن تتكرر اليوم مع احتجاجات السودان والجزائر حتى لو بدا أن هناك تشابها بينها، إذ لا تبدو الظروف مهيئة لموجة ثانية من الربيع العربي مع غياب الحماس الشعبي في المنطقة وتضاؤل الاهتمام الدولي وفشل الإسلاميين الذين أغرقوا دول الربيع العربي في فوضى وأزمات تبدو اليوم ماثلة كناقوس خطر يحذر المحتجين في الجزائر والسودان.

بلال تامر

القاهرة – تذكّر التطورات الأخيرة التي شهدتها الجزائر والسودان  بما حدث عام 2011 في العالم العربي، ورغم ذلك لا تميل التحليلات إلى الإفراط في استعمال مصطلح “الربيع العربي” في توصيف ما يجري اليوم.

وعلى عكس السنوات الأولى لاندلاع الثورات في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، لم يثر سقوط الرئيسين في الجزائر والسودان نفس الفرحة الغامرة التي أثارتها مظاهرات 2011، لأن الجموع في الشوارع أدركوا أنه مازال أمامهم عمل شاق وأن أحلام ذلك الربيع لم تكن وردية.

قبل ثماني سنوات، كان العالم، يتوق إلى التغيير، وكانت الأرضية مواتية شعبيا وإعلاميا وسياسيا؛ لذلك لم يحتج الأمر الكثير من الوقت والجهد لتتحول الاحتجاجات في تونس إلى شعلة ثورات أسقطت أنظمة راسخة.

اليوم يبدو المشهد مختلفا، وما كان يعتبر في وقت من الأوقات حماسا كبيرا للتغيير لم يعد له وجود ملموس في الشارعين العربي والغربي، والإعلام يتعامل بحذر مع أحداث الجزائر والسودان، وقناة الجزيرة لا يكاد يسمع لها صوت، وحتى فيسبوك يبدو خارج نطاق التغطية القوية والمؤثرة.

ولا ينفي جون بي.الترمان مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي، أن هناك أوجه شبه كثيرة بين ما تعيشه الجزائر والسودان ومع ما حدث في 2011.

تشابه ولكن

في الجزائر والسودان ثار شباب ضد الرئيسين اللذين لم يعرفوا سواهما
في الجزائر والسودان ثار شباب ضد الرئيسين اللذين لم يعرفوا سواهما

في الجزائر والسودان ثار شباب ضد الرئيسين اللذين لم يعرفوا سواهما، بعد شعورهم بالغضب إزاء سرقة الفساد والمحسوبية لمستقبلهم. وزادت الاحتجاجات أسبوعا بعد أسبوع حتى لم يعد من الممكن احتواؤها.

وكما هو الحال في 2011 لم يكن وراء الاحتجاجات في السودان والجزائر سياسيون معارضون، لأن جزءا من سر بقاء الحكام لفترة طويلة يكمن في ضمان عدم ظهور أي بديل لهم، بل كان المحتجون يمثلون إلى حد كبير تصويتا تلقائيا ودون قيادة بـ”لا” بالنسبة للوضع الراهن.

لكن، الأمر لم يرتق ليكون موجة ثانية من الربيع العربي، يمكن أن تتجاوز حدود السودان والجزائر لغيرهما من دول عربية أخرى.  ويفسر الترمان، الذي كان في وقت سابق عضوا في هيئة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأميركية، ذلك مشيرا إلى أن الاختلافات بين ما يحدث في الجزائر والسودان وما حدث في 2011 أكثر من أوجه الشبه بينهما.

ويشدد الترمان، الذي ألقى محاضرات في أكثر من 30 دولة في خمس قارات حول موضوعات تتعلق بالشرق الأوسط وسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، على غياب الحماس كإحدى أبرز نقاط الاختلاف، والذي يعود في أحد أبرز أسبابه إلى أن قناة الجزيرة التي لعبت دورا مهما في تصوير انتفاضات 2011 على أنها سلسلة من “الثورات الديمقراطية”، ليست متحمسة للأحداث في السودان، حيث يتراجع حكم الإسلاميين، ولا في الجزائر حيث فقدت مصداقيتها وتأثيرها، وهي اليوم أقل نشاطا وجسارة عما كانت عليه من قبل.

جون بي.الترمان: المشاهدون أصبحوا أكثر تشككا إزاء سياسة قناة الجزيرة التحريرية الواضحة في الغالب. وهي اليوم أقل نشاطا وجسارة
جون بي.الترمان: المشاهدون أصبحوا أكثر تشككا إزاء سياسة قناة الجزيرة التحريرية الواضحة في الغالب. وهي اليوم أقل نشاطا وجسارة

ويضيف الترمان أن المشاهدين أصبحوا أكثر تشككا إزاء سياسة القناة التحريرية الواضحة في الغالب. وربما يتمثل السبب الأكبر في تراجع قدرة القناة على تعبئة التضامن الإقليمي، حيث أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت مازالت في بدايتها في 2011، يحدث انقساما داخل الدول وفي ما بينها ويخلق نوعا من عدم اهتمام المشاهدين بالقضايا التي لا تؤثر على حياتهم اليومية.

تسمية خاطئة

استخدم المعلقون الأميركيون المحافظون تسمية “الربيع العربي” لأول مرة، لكن رأى البعض منذ ذلك الحين أن التسمية خاطئة. وأظهرت الكثير من استطلاعات الرأي، التي أجريت على مدى السنوات الماضية، تراجع حماس الشباب للربيع العربي، الذي كانت بدايته أملا لكنه انتهى بارتفاع نسبة البطالة وتنامي الإرهاب وغلاء المعيشة وتهديد لمكتسبات ثقافية واجتماعية؛ لذلك ورغم طموحات المتظاهرين السودانيين والجزائريين التي قد تكون واحدة، مع نظرائهم في تونس ومصر وغيرهما، فإن توقعاتهم أقل.

وبات من الصعب اليوم استعادة الثقة الجياشة التي كانت هناك في ذلك الوقت: فقد كانت الديمقراطية في المتناول، وكان بوسع المواطنين الغيورين، الذين كانت استطلاعات فيسبوك والوطنية نبراسا لهم، إعادة تشكيل سياسات دولهم. ويطرح الترمان كمثال تجربة المصريين المريرة مع حكم الإخوان المسلمين وظهور الجماعات الجهادية من جديد في أنحاء المنطقة التي أكّدت مدى التشكك في التقدم الديمقراطي.

فقد كان العالم كله يشاهد أحداث 2011، وسارع الرؤساء ورؤساء الوزارات إلى احتضان المتظاهرين ومنحهم الشرعية، واختارت مجلة تايم الأميركية المتظاهرين ليكونوا شخصية العام. لقد كان الوقت مختلفا. وفي الوقت الحالي فإن السؤال ليس كيف يساعدون المتظاهرين على امتلاك السيطرة، ولكن كيف يساعدون في ضمان عدم سقوط بلادهم في حالة من الفوضى.

ويؤكد الترمان أنه سيكون من الخطأ افتراض أن سقوط بوتفليقة والبشير مجرد حادث منفصل، فالمتظاهرون الجزائريون والسودانيون استغلوا الظروف السيئة التي تثير الغضب ومازالت سائدة في العالم العربي، وفي معظم الحالات، لم تتحسن منذ أحداث 2011، والحكومات منتبهة لمثل هذا التحدي، وهى تسعى إلى ترشيد الحكم والاستجابة بسرعة للمطالب، وزيادة الشفافية.

لذلك ولئن لم تكن الأحداث في الجزائر والسودان بداية لمجموعة جديدة من الانتفاضات العربية تجتاح المنطقة فإنها تذكر بأن بذور الانتفاضات المستقبلية مزروعة في الأرض من المحيط الأطلسي وحتى المحيط الهندي. ورغم أنها ساكنة في التربة، في ظل مطر غزير، فإنها يمكن أن تنبت بسرعة.

Thumbnail
6