قلعة البحرين عبر العصور في معرض تركيبي يحكي تاريخ دلمون

الخميس 2014/05/01
العمل التركيبي للفنانة ماري فرانسيس روي "بئر إنكي"

المنامة - مُلهمةً بتاريخها ذاكرة طويلة من الجمال، وبتداخل معماري فريد ما بين تكوينها الصخري وفنون حديثة، استدرجت قلعة البحرين إلى مكانها، أوّل معرض فني تفاعلي. حيث دشنت وزيرة الثقافة البحرينية، الشيخة مي بنت محمّد آل خليفة، مؤخرا، معرض “قلعة البحرين عبر العصور”.

المعرض من إعداد كل من الفنانة ماري فرانسيس روي، ومصمم الصوت العازف لوي مارتينز، وشاركت فيه الفنانة اليابانية شيهارو شيوتا، وذلك بحضور السفير الفرنسي لدى المملكة البحرينيّة ونخبة من المثقفين والمهتمين.


حياة للمكان


وقد رحبت الوزيرة بالحضور وشكرت فريق العمل قبل انطلاق الفعاليات، كما خصت بالذكر نادين بقسماطي فتوح، مستشارة المتاحف وقطاع السياحة وإدارة الآثار التراث وإدارة موقع قلعة البحرين. فيما تحدثت الفنانة ماري فرانسواز روي عن أهمية إعطاء الحياة للمكان، خصوصا مع ما يملكه من إرث تاريخي وإنساني مهم للمنطقة، كما شكرت وزيرة الثقافة البحرينية على الثقة التي أولتها لفريق العمل المشارك.

المعرض الّذي يجيء في سياق احتفالات وزارة الثقافة ببرنامج “الفن عامنا” لسنة 2014، قدّم تركيبات فنية تفاعلية، تهدف إلى تعزيز تجربة زوار موقع قلعة البحرين، وإحياء تفاصيل المكان التي تخبئها جدران القلعة كأسرار إنسانية جديرة بالاكتشاف.

وبهذه المناسبة أوضحت وزيرة الثقافة البحرينية قائلة : “اليوم نحن أمام تركيبتين جميلتين رغم بعدهما الزمني: موقع قلعة البحرين والقلعة بتفاصيلهما الحضارية والتاريخية والإنسانية، والأعمال الفنية التي تعيش سياقها الزمني الحديث ولكن باتصال مع المكان. هذا الموقع الإنساني العالمي يمثل اليوم تجربته المغايرة في لقاء التاريخ بالفن، العمران كفن مكاني في انسجام مع الفنون التركيبية الحديثة”، مبينة: “أنّ هذه التجربة تمثل دور الفنون في إيجاد صوت للتاريخ. وما يخبئه عمران المكان من أسرار ومعلومات وتفاصيل سيفصح عنها الفن من موقع قلعة البحرين”.

“قلعة البحرين عبر العصور”، تحتوي هذه المرّة على أعمال تركيبية فنية وتفاعلية، تتكون من ستة مجسمات زجاجية منقوشة وثلاث تركيبات فنية، أبدعتها الفنانة الفرنسية ماري فرانسيس روي ومهندس الصوت الفرنسي لوي مارتينيز، بالتعاون مع الفنانة اليابانية شيهارو شيوتا. المجسمات الستة تمّ وضعها في فناء القلعة السفلي، وتتضمن جميعها معلومات عامة للزائرين عن تاريخ الموقع وحكاية تطوره والمراحل المختلفة التي شهدها على مر العصور.

أما التركيبات الفنية الأخرى فقد وضعت داخل غرف مختلفة من القلعة، وهي تمثل تأويلات فنية للموقع باستخدام تقنيات متطورة وحديثة.


استحضار الأسطورة


العمل التركيبي الفني الأول للفنانة ماري بعنوان (بئر إنكي) والتركيب الصوتي للفنان لوي، ويستدعي الأسطورة السومرية التي تقول أن اليابسة والبحر يطفوان على محيط من المياه العذبة يدعى “أبسو”،وكان يعتقد أن هذا العالم الخفي تحت الأرض أساس الكون، وموطن الآلهة، ومصدر بحار وأنهار العالم، وأنه تحت حراسة “إنكي”، آلهة المياه العذبة والحكمة. وتعتبر أسطورة “إنكي ونينهورساج” من أهم أساطير حضارة الرافدين، وهي تحكي قصة خلق العالم. حيث تقول إنّ “إنكي” وهبت المياه لأرض دلمون (البحرين قديما).

العمل التركيبي "بئر إنكي" يستدعي الأسطورة السومرية التي تقول إن اليابسة والبحر يطفوان على محيط من المياه العذبة يدعى "أبسو"

من خلال هذا العمل التركيبي إذا، ستُعيد البئر إلى الأذهان الرابط الأسطوري الغامض بين “بحري” دلمون، وهو إشارة إلى الآلهة “إنكي” وتأويل فني للأسطورة.

العمل التركيبي الفني الثاني حول “المدبسة”، يشير بدوره إلى أهمية المدبسة قديما، كونها كانت تُمثّل عنصرا أساسيّا له أثر اقتصاديّ عميق في الجزيرة الأم. وقد كانت المدبسة عنصرا أساسيا في الحرف التقليدية والمنزلية بمنطقة الخليج العربي.

وظلت تسخدم لصنع دبس التمر في البحرين حتى عهد قريب. وقد خصصت غرف مربعة أو مستطيلة الشكل لهذه الصناعة، وكانت تحفر أرضياتها بقنوات متوازية مطلية بعناية حتى تكون ملساء. وكانت التمور توضع في أكياس أو تكوم مباشرة على الأرض، ومن ثم تبدأ تلك التمور بإفراز عصارتها نتيجة لحرارة الغرفة والثقل الناتج عن الثّمار الناضجة، وكانت القنوات تسوق العصارة إلى وعاء لتجميعها، ومن ثمّ كان يتمّ نقلها إلى جرار.

أما العمل الأخير، “خيوط الذاكرة”، للفنانة اليابانيّة شيهارو شيوتا، والذي تعاونت في إنجازه مع كلّ من ماري ولوي. فهو يُشير إلى تاريخ تجارة النحاس التي ساهمت في ازدهار دلمون وعاصمتها وموقع قلعة البحرين لقرون طويلة. حيث أنّه منذ العصر البرونزي، كان موقع قلعة البحرين من أهم المحطات التجارية الواقعة بين حضارتي الرافدين ووادي السند، وذلك بفضل موقعه الجغرافي الاستراتيجي ومقوماته الطبيعية الاستثنائية.

وتوجد أدلة على وجود تجارة نحاس مع “أرض ماجان” (عُمان) تعود إلى عام 2200 قبل الميلاد، وذلك تزامنا مع استيطان موقع قلعة البحرين للمرّة الأولى، حيث عثر خلال التّنقيبات الأثرية على ورشة كبيرة للنّحاس بمساحة 500 متر مربّع. وقد شكّل النّحاس، مع الأخشاب والأحجار الكريمة، أهم صادرات دلمون إلى حضارة الرافدين، حتى أن بعض النصوص القديمة كانت تطلق عليه اسم “نحاس دلمون”.

الجدير بالذكر أن المعرض يستمر حتى أواخر شهر أبريل من العام 2015، وقد قامت بتنفيذه شركة “أوجيه” الدولية، التي تتمتّع بخبرة طويلة في إقامة المشاريع المعمارية التي أنجزتها ومن بينها؛ فرع جامعة السوربون ومتحف اللوفر في أبو ظبي، منتجعات الفور سيزنز في مراكش، وأعمال التجديد والترميم لفندقي الريتز وجورج الخامس في باريس. وتتعامل هذه الشركة مع مكاتب مرموقة عالميّا للهندسة المعمارية مثل؛ فوستر وشركاه، سنوهيتا، بورتزمارك، جان نوفيل، وفرانك غيري.

16