قلعة صيدا الأثرية تواجه الأنواء والعواصف

يمتاز لبنان بتاريخه العريق بأمجاده، فهو همزة الوصل بين القارات الآسيوية والأفريقية والأوروبية، ويفتخر لبنان بآثاره التي خلفها العديد من الحضارات المتعاقبة عليه، منها القلاع والحصون الأثرية التي تعود إلى عصور الفينيقيين، والإغريق والرومان والبيزنطيين والعرب.
الأربعاء 2016/01/06
هوية يلفها النسيان

صيدا (لبنان) - شيدت قلعة صيدا البحرية في القرن الثالث عشر على جزيرة صغيرة لشاطئ صيدا شمالا وأقيمت على مراحل بين 1227-1291 تاريخ سقوط صيدا في أيدي المماليك، بناها الصليبيون الآتون من أوروبا على طريقة نظام القصور المحصنة والتي كان يسكنها القادة الأوروبيون في العصور الوسطى ليحموا أنفسهم من الغزوات.

ويعتقد بأن هذه القلعة قامت على بقايا معبد فينيقي استعملت أحجاره وأعمدته الأثرية في بنائها.

وجعل الصليبيون لها جسرا صخريا أوله أحجار ضخمة ثابتة ونصفه الآخر القريب من بوابتها متحرك، إلا أن الجسر القديم لم تتبق منه إلا دعامته الشمالية المدببة لأنها الأقرب إلى القلعة، أما الدعامتان الثانيتان فقد أعيد بناؤهما على الطراز ذاته في عهد الانتداب الفرنسي على لبنان آنذاك بعد انهيارهما عام 1936.

وعندما تدخل البوابة الكبيرة تدرك عندما ترى واجهتها العلوية، أن التماثيل التي نقشت عليها تخبر عن اهتمام الصليبيين بزخرفة قلاعهم كدلالة على بصمتهم في تلك الحقبة الزمنية، وكذلك عندما تلج البوابة يأخذك المشهد إلى ذلك السور الذي يربط القلعة بعضها ببعض وكأنه حلقة متماسكة الأربطة لا يمكنك اختراقها بسهولة حيث تصطدم بحاجز صخري ضخم على كافة جوانب هذا الحصن المنيع، وإذا استطاع أي عدو اختراقه أو غزوه فلن يسلم من ذلك الجدار الصخري الداخلي المرتفع وفجواته المزروعة برؤوس مدافع، وهو ما يعكس مناعة الحصن وحمايته ومن فيه.

القلعة مازالت تنتظر بعض العناية الفائقة بها وحمايتها والحفاظ على تاريخها الذي مهما كساه الغبار يستحق أن يعود بريقه

إلا أن هذه الفجوات في وقتنا الحاضر سدت بحجارة صخرية تتخذ شكل فوهة المدفع الحديدي التي أصيبت بالصدأ نتيجة عوامل الطبيعة البحرية ومناخها الذي يسرع في تآكل الصخور والمواد الحديدية في هذا الصرح الأثري العريق عبر مرور الزمن.

وإذا عبرت البوابة نحو الداخل ستلحظ تلك الصخور المتناثرة هنا وهناك رغم عمليات الترميم المتكررة عبر مراحل متعددة تمت بإشراف مديرية الآثار في صيدا.

وتقف في هذه الناحية الشمالية الشرقية من القلعة الصليبية لتجد ركنا من بقايا كنيستها القديمة التي جعل جدارها داعما للجامع الصغير المرتفع بقبته وقد تم بناؤه في العهد العثماني بعيد سنة 1840 وهي السنة التي تعرضت فيها القلعة للقصف من قبل البحرية البريطانية.

ومنذ ذلك الوقت بقيت القلعة على ما هي عليه الآن وينكشف لك المنظر البحري بكافة جهاته من على سطح البرج المقابل للجامع ويوجد فيه دهليز ذو درجات صغيرة للإبلاغ عن أي خطر قد يحدق بالحصن ومن في داخله لأن استعمال السلم الخارجي في هذه الحال يكون في عين مرمى الأعداء.

تاريخ عريق

وبالتوجه نزولا لندخل زاوية أخرى من زوايا الكنيسة القديمة نرى حجارة مجمعة داخلها إما من سطحها وإما من أحد الأمكنة المجاورة لها لإعادة بنائها في ما بعد، يحاذي هذه الجهة مدخل شمالي شرقي يشرف على المياه البحرية ويحكى أنه كان مدخلا لوفود كانت تأتي من كل حدب وصوب، إلا أن هذه الجهة جاورتها الوجهة البحرية الأساسية للقلعة شمالا ويبدو السور الأمامي لها قد أصبح شبه موجود لشدة الأنواء وقوتها التي ضربته مرات عدة مما حال دون استمراره وانهيار أحجاره شيئا فشيئا، وهو ما أصاب الحواجز الصخرية الداخلية أيضا التي تخللت الساحة الواقعة في منتصف الجهتين الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية والتي كانت تستعمل كسدود في وجه الغزاة إذا ما اجتازوا السور الكبير إلى داخل تلك القاعة المتفرعة الزوايا والاتجاهات.

وفي داخل الحصن من الناحية الغربية يبدو من خلال ولوجنا برجها الغربي أنها خضعت لعمليات ترميم خجولة مقارنة بالأضرار الكبيرة التي تخلفها أمواج البحر والأنواء على جدران القلعة الصخرية متسببة في بعض الأحيان انهيار بعضها.

ويملك البرج الغربي ميزة فريدة عبر سقفه المزدان بعقده الحجري مطوقا مساحته الأرضية الصلبة التي توزعت على شكل أركان كانت لكل ركن فيها جلسته الخاصة وفتحاته المطلة على البحر وشمسه الذهبية الساطعة، إضافة إلى أدراج حلزونية داخلية تؤدي إلى منافذ علوية إما باتجاه المدينة شرقا وإما باتجاه البحر غربا حيث تقع الواجهة البحرية الغربية.

وفيما نسير نزولا نبلغ الجزء السفلي لهذه الناحية من الحصن حيث تكمن جدران عالية زين بعضها بقنطرة صخرية لتضفي على ركنها جمالا وعظمة. ونتقدم باتجاه السد الصخري الداخلي الذي يصل الوجهتين الغربية والشمالية ببعضهما ونخلص بمحاذاته إلى مقدمة القلعة البحرية.

وما زالت القلعة حتى يومنا هذا تنتظر بعض العناية الفائقة بها وحمايتها والحفاظ على تاريخها الذي مهما كساه الغبار فمسحة لتبيان وقائعه وأحداثه كفيلة بأن تعيده براقا لامعا يسطع تحت أشعة الشمس.

20